ابن شعبة الحراني

160

تحف العقول عن آل الرسول ( ص )

أما النهار فحكماء علماء ، أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف أمثال القداح ( 1 ) ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ويقول : قد خولطوا ( 2 ) وقد خالط القوم أمر عظيم إذا هم ذكروا عظمة الله تعالى وشدة سلطانه ، مع ما يخالطهم من ذكر الموت وأهوال القيامة أفزع ذلك قلوبهم وطاشت له أحلامهم ( 3 ) وذهلت له عقولهم فإذا أشفقوا من ذلك ( 4 ) بادروا إلى الله بالاعمال الزاكية لا يرضون باليسير ولا يستكثرون له الكثير . هم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون إذا زكي أحدهم خاف مما يقولون ، فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي منى . اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون إنك علام الغيوب . فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين . وخوفا في لين . وإيمانا في يقين ( 5 ) . وحرصا في علم . وكيسا في رفق ( 6 ) وشفقة في نفقة . وفهما في فقه . وعلما في حلم . وقصدا في غنى ( 7 ) . وخشوعا في عبادة . وتجملا في فاقة ( 8 ) وصبرا في شدة . ورحمة للمجهود وإعطاء في حق . ورفقا في كسب . وطلبا في حلال . ونشاطا في هدى وتحرجا عن طمع ( 9 ) وبرا في استقامة واعتصاما عند شهوة . لا يغره ثناء من جهله . ولا يدع إحصاء

--> ( 1 ) القداح : جمع قدح - بالكسر - : السهم قبل أن يراش . وقوله : " براهم " أي نحت الخوف أجسامهم كما ترقق السهام بالنحت . ( 2 ) خولط في عقله : اضطرب عقله واختل ومازجه خلل فيه . والامر العظيم الذي خالط عقولهم هو الخوف الشديد من الله . ( 3 ) طاش السهم : عدل وجاز . وطاش عقله : خف وذهب . والأحلام : جمع حلم - بالكسر - أي العقل والذهول : الذهاب بدهشة . ( 4 ) أشفق من كذا : خاف منه . والمشفقون : خائفون من التقصير فيها . ( 5 ) أي إيمان في حد اليقين . ( 6 ) الكيس : العقل ، الفطنة ، جودة القريحة ، خلاف الحمق . والشفقة - بالتحريك - : الرحمة . ( 7 ) قصدا : اقتصادا . التجمل : التظاهر باليسر . والفاقة : الفقر . ( 8 ) في بعض النسخ [ تحملا في فاقة ] بالحاء المهملة . ( 9 ) التحرج التجنب والتباعد .