ابن شعبة الحراني

157

تحف العقول عن آل الرسول ( ص )

* ( موعظته عليه السلام ووصفه المقصرين ) * لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويرجو التوبة ( 1 ) بطول الامل يقول في الدنيا قول الزاهدين ويعمل فيها عمل الراغبين إن أعطي منها لم يشبع وإن منع لم يقنع يعجز عن شكر ما أوتي ويبتغي الزيادة فيما بقي ، ينهى الناس ولا ينتهي ويأمر الناس ما لا يأتي ، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم ويبغض المسيئين وهو منهم . ويكره الموت لكثرة سيئاته ولا يدعها في حياته ، يقول : كم أعمل فأتعنى ( 2 ) ألا أجلس فأتمنى فهو يتمنى المغفرة ويدأب في المعصية ( 3 ) . وقد عمر ما يتذكر فيه من تذكر ، يقول فيما ذهب : لو كنت عملت ونصبت ( 4 ) لكان خيرا لي ويضيعه غير مكترث لاهيا . إن سقم ندم على التفريط في العمل وإن صح أمن مغترا يؤخر العمل ، تعجبه نفسه ما عوفي ( 5 ) ويقنط إذا ابتلي تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن ( 6 ) . لا يقنع من الرزق بما قسم له ولا يثق منه بما قد ضمن له ولا يعمل من العمل بما فرض عليه ، فهو من نفسه في شك ، إن استغنى بطر وفتن ( 7 ) وإن افتقر قنط ووهن ، فهو من الذنب والنعمة موفر ( 8 ) ويبتغي الزيادة ولا يشكر ويتكلف من الناس مالا يعنيه ويصنع من نفسه ما هو أكثر . إن عرضت له شهوة واقعها باتكال على التوبة وهو لا يدري كيف يكون ذلك . لا تغنيه رغبته ولا تمنعه رهبته .

--> ( 1 ) وفى النهج [ ويرجئ التوبة ] ويرجئ أي يوخر التوبة . ( 2 ) في بعض النسخ [ لم ] . وأتعنى : أتعب من العناء أي التعب والمشقة . ( 3 ) يدأب : يستمر ويجد في المعصية . ( 4 ) نصبت : اجتهدت وأتعبت فيه و " غير مكترث لاهيا " أي لا يعبأ به ولا يباليه . ( 5 ) أي ما دام في العافية . ( 6 ) يعمل بالظن في اعمال الدنيا ولا يعمل للآخرة باليقين . وهو على يقين من أن السعادة والشرف في الفضيلة والزهد في الدنيا ولا يكتسبهما ولكن إذا ظن وتوهم لذة حاضرة وشهوة عاجلة بادر إليها . ( 7 ) بطر أي اغتر بالنعمة ففتن . ( 8 ) ولا ينقص منهما شيئا من وفره أي كثره وجعله وفرا أي كثيرا .