الشيخ الحويزي

183

تفسير نور الثقلين

ثم أوحى الله تبارك وتعالى إليه : يا صالح قل لهم : ان الله قد جعل لهذه الناقة شرب يوم ولكم شرب يوم ( 1 ) فكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت الماء ذلك اليوم فيحلبونها ، فلا يبقى صغير ولا كبير الا شرب من لبنها يومهم ذلك ، فإذا كان الليل وأصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم ، فمكثوا بذلك ما شاء الله ، ثم إنهم عتوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض ، وقالوا : اعقروا هذه الناقة واستريحوا منها لا نرضى أن يكون لنا شرب يوم ولها شرب يوم ، ثم قالوا : من ذا الذي يلي قتلها ونجعل له جعلا ما أحب ؟ فجاءهم رجل احمر أشقر ( 2 ) أزرق ولد زنا لا يعرف له أب ، يقال له قدار ( 3 ) شقى من الأشقياء ، مشئوم عليهم فجعلوا له جعلا ، فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده تركها حتى شربت الماء وأقبلت راجعة ، فقعد لها في طريقه فضربها بالسيف ضربة فلم يعمل شيئا ; فضربها ضربة أخرى فقتلها ، فخرت إلى الأرض على حينها ، وهربت فصيلها ، حتى صعد إلى الجبل فرغا ( 4 ) ثلاث مرات إلى السماء وأقبل قوم صالح فلم يبق أحد الا شركه في ضربته واقتسموا لحمها فيما بينهم ، فلم يبق صغير ولا كبير الا أكل منها ، فلما رأى ذلك صالح أقبل إليهم فقال : يا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم أعصيتم ربكم ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إلى صالح عليه السلام : ان قومك قد طغوا وبغوا وقتلوا ناقة بعثها الله إليهم حجة عليهم ، ولم يكن عليهم منها ضرر ، وكان لهم أعظم المنفعة فقل لهم : انى مرسل إليكم عذابي إلى ثلاثة أيام ، فان هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم ، وان هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت إليهم عذابي في اليوم الثالث ، فأتاهم صالح صلى الله عليه فقال لهم : يا قوم انى رسول ربكم إليكم ، وهو يقول لكم : ان أنتم تبتم ورجعتم واستغفرتم غفرت لكم وتبت عليكم ، فلما قال لهم ذلك كانوا أعتا ما كانوا وأخبث وقالوا : " يا صالح ائتنا بما تعدنا ان كنت

--> ( 1 ) الشرب - بالكسر - : النصيب من الماء . ( 2 ) الأشقر من الناس : من تعلو بياضه حمرة . ( 3 ) قدار : بضم القاف وتخفيف الدال كما في القاموس . ( 4 ) رغا البعير : صوت وضج .