الشيخ الحويزي

347

تفسير نور الثقلين

فأجبتك إلى ما سألت ، وأنا أسألك ان تسألني فلم لا يجيب مسألتي ؟ قال إدريس : اللهم لا أسألك ، قال : فأوحى الله عز وجل إلى الملك الذي أمره أن يأتي إدريس بطعامه كل مساء أن احبس عن إدريس طعامه ولا تأته به ، فلما أمسى إدريس في ليلة يومه ذلك فلم يؤت بطعامه حزن وجاع ، فصبر فلما كان في ليلة اليوم الثاني فلم يؤت بطعامه اشتد حزنه وجوعه ، فلما كانت الليلة من اليوم الثالث فلم يؤت بطعامه اشتد جهده وجوعه وحزنه وقل صبره ، فنادى ربه : يا رب حبست عنى رزقي من قبل أن تقبض روحي ؟ فأوحى الله عز وجل إليه : يا إدريس جزعت ان حبست عنك طعامك ثلاثة أيام ولياليها ، ولم تجزع وتذكر جوع أهل قريتك وجهدهم منذ عشرين سنة ، ثم سألتك عند جهدهم ورحمتي إياهم ان تسألني فأمطر عليهم فلم تسألني وبخلت عليهم بمسألتك إياي ! فأدبتك بالجوع ، فقل عند ذلك وظهر جزعك فاهبط من موضعك فاطلب المعاش لنفسك فقد وكلتك في طلبه إلى جبلتك . فهبط إدريس عليه السلام من موضعه إلى قرية يطلب أكله من جوع ، فلما دخل القرية نظر إلى دخان في بعض منازلها فأقبل نحوه ، فهجم على عجوز كبيرة وهي ترفق قرصتين لها على مقلاة ( 1 ) فقال لها : أيتها المرأة أطعميني فانى مجهود من الجوع ، فقالت له : يا عبد الله ما تركت لنا دعوة إدريس فضلا نطعمه أحدا - وحلفت انها ما تملك غيره شيئا - فاطلب المعاش من غير أهل هذه القرية ، فقال لها : أطعميني ما أمسك به روحي وتحملني به رجلي إلى أن أطلب ، قالت : انهما قرصتان واحدة لي والأخرى لابني فان أطعمتك قوتي مت ، وان أطعمتك قوت ابني مات ، وما هيهنا فضل أطعمك ، فقال لها : " ان ابنك صغير يجزيه نصف قرصة فيحيى به ، ويجزيني النصف الآخر فأحيى به وفى ذلك بلغة لي وله ، فأكلت المرأة قرصتها وكسرت الأخرى بين إدريس وبين ابنها ، فلما رأى ابنها إدريس يأكل من قرصته اضطرب حتى مات ، قالت أمه : يا عبد الله قتلت على ابني جزعا على قوته ، فقال لها إدريس : فأنا أحييه

--> ( 1 ) المقلاة : وعاء يقلى فيه الطعام .