الشيخ الحويزي

348

تفسير نور الثقلين

بإذن الله فلا تجزعي ، ثم أخذ إدريس بعضدي الصبي ثم قال : أيتها الروح الخارجة عن بدن هذا الغلام بأمر الله ارجعي إلى بدنه بإذن الله وأنا إدريس النبي ، فرجعت روح الغلام إليه بإذن الله ، فلما سمعت أمه كلام إدريس وقوله : أنا إدريس ، ونظرت إلى ابنها قد عاش بعد الموت ، قالت : اشهد انك إدريس النبي وخرجت تنادى بأعلى صوتها في القرية : أبشروا بالفرج قد دخل إدريس في قريتكم ، ومضى إدريس حتى جلس على موضع مدينة الجبار الأول فوجدها وهي تل ، فاجتمع إليه أناس من أهل قريته فقالوا له : يا إدريس أما رحمتنا في هذه العشرين سنة التي جهدنا فيها ومسنا الجوع والجهد فيها ؟ ! فادع الله ان يمطر السماء علينا ، قال : لا ، حتى يأتيني جباركم هذا وجميع أهل قريتكم مشاة حفاة فيسألوني ذلك ، فبلغ الجبار قوله ، فبعث إليه أربعين رجلا يأتوه بإدريس فأتوه فقالوا له : ان الجبار بعثنا إليك لنذهب بك إليه فدعا عليهم فماتوا ، فبلغ ذلك الجبار فبعث إليه خمسمأة رجل ليأتوه به فأتوه فقالوا له : يا إدريس ان الجبار بعثنا إليك لنذهب بك إليه ، فقال لهم إدريس : انظروا إلى مصارع أصحابكم فقالوا له : يا إدريس قتلتنا بالجوع منذ عشرين سنة ثم تريد أن تدعو علينا بالموت ؟ أما لك رحمة ؟ فقال : ما أنا بذاهب إليه وما انا بسائل الله أن يمطر السماء عليكم حتى يأتيني جباركم ماشيا حافيا وأهل قريتكم ، فانطلقوا إلى الجبار فأخبروه بقول إدريس وسألوه أن يمضى معهم وجميع أهل قريتهم إلى إدريس مشاة حفاة ، فأتوه حتى وقفوا بين يديه خاضعين له طالبين إليه أن يسأل الله عز وجل أن يمطر السماء عليهم ، فقال لهم إدريس : اما الان فنعم فسأل الله عز وجل إدريس عند ذلك ان يمطر السماء عليهم وعلى قريتهم ونواحيها ، فأظلتهم سحابة من السماء وأرعدت وأبرقت وهطلت عليهم من ساعتهم ( 1 ) حتى ظنوا انه الغرق ، فما رجعوا إلى منازلهم حتى أهمتهم أنفسهم من الماء ( 2 )

--> ( 1 ) هطل المطر : نزل متتابعا متفرقا عظيم القطر . ( 2 ) قال في البحار : أي خوف أنفسهم أوقعهم في الهموم ، أو لم يهتمهم الا هم أنفسهم وطلب خلاصها ، ثم اعلم أن الظاهر أن أمره تعالى إدريس عليه السلام بالدعاء لهم لم يكن على سبيل الحتم والوجوب بل على الندب والاستحباب ، وكان غرضه عليه السلام في الأحير وفى طلب القوم أن يأتوه متذللين تنبسيهم وزجرهم عن الطغيان والفساد لئلا يخالفوا ربهم بعد دخوله بينهم ، وان أولياء الله يغضبون لربهم أكثر من سخطه تعالى لنفسه لسعة رحمته وعظم حلمه تعالى شأنه .