الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
494
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وتعتبر هذه الآية ردا واضحا على الذين يقولون بأن الدين أوجد الاختلاف بين البشر ، وأدى إلى إراقة دماء كثيرة على مدى التاريخ ، فلو دققوا في الأمر لوجدوا أن الدين دائما هو أساس للوحدة والاتحاد في المجتمع ( كما حصل للإسلام وقبائل الحجاز وحتى الأقوام في خارج الجزيرة حيث انتهت الاختلافات وأصبحوا أمة واحدة ) . إلا أن السياسات الاستعمارية هي التي أوجدت الفرقة بين الناس ، وحرضت على الاختلافات ، وكانت أساسا لإراقة الدماء ، ففرض سياساتها وأهوائها على الأديان السماوية كان عاملا كبيرا آخر في إيجاد الفرقة ، وهذا بحد ذاته ينبع من ( البغي ) أيضا . " البغي " كما يكشف أساسه اللغوي ، يعني ( طلب التجاوز والانحراف عن خط الوسط والميل نحو الإفراط أو التفريط ) سواء تم تطبيق هذا الطلب أم لا ، وتختلف كميته وكيفيته ، ولهذا السبب فغالبا ما يستخدم بمعنى الظلم . وأحيانا يقال لأي طلب بالرغم من كونه أمرا جيدا ومرغوبا . لذا فإن الراغب في مفرداته يقسم ( البغي ) إلى نوعين : ( ممدوح ) و ( مذموم ) فالأول يتجاوز حد العدالة ويصل إلى الإحسان والإيثار ، وتجاوز الواجبات والوصول إلى المستحبات ، والثاني يتجاوز الحق نحو الباطل . ثم يضيف القرآن الكريم : ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم حيث يهلك أتباع الباطل وينصر أتباع الحق . نعم ، فالدنيا هي محل الاختبار والتربية والتكامل ، ولا يحصل هذا بدون حرية العمل ، وهذا هو الأمر التكويني الإلهي الذي كان موجودا منذ بدء خلق الإنسان ولا يقبل التغيير . إن هذه هي طبيعة الحياة الدنيوية ، ولكن ما يمتاز به عالم الآخرة هو أن جميع هذه الاختلافات ستنتهي وسوف تصل الإنسانية إلى الوحدة الكاملة ، ولهذا السبب يتم استخدام عبارة ( يوم الفصل ) للقيامة .