الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

453

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الاستدلال على الخالق جل وعلا : أحدهما الاستدلال من خلال " النظم " . والآخر دليل " الصديقين " . ودليل " النظم " كما يظهر من اسمه ، يبدأ من نظام عالم الوجود وأسراره ودقائقه ، ليرشد إلى مصدر العلم والقدرة والخلق الذي أوجد ذلك ودبره ، والقرآن الكريم ملئ بهذا النوع من الاستدلال ، فهو يذكر نماذج كثيرة عن آيات الله في السماء والأرض وفي مظاهر الحياة ونظمها وما يمور فيها من كائنات ، وينتهي من هذا الطريق إلى إثبات وجود الصانع المدبر ( جل وعلا ) . إن كل شخص يستطيع استيعاب هذا النوع من الاستدلال مهما كان مستواه وعلى قدر ما يجمل من علم وإدراك ، إذ يستفيد منه أكبر العلماء على قدر استعداده وثقافته استيعابه ، في نفس الوقت الذي يستفيد منه الأمي وغير المتعلم وغير المطلع على فنون العلوم والمعرفة . أما دليل " الصديقين " فهو نوع من الاستدلال يقوم بالوصول إلى ( الذات ) بواسطة ( الذات ) نفسها ، ومثل هؤلاء يعرفونه تعالى من خلال وجوب وجوده . بعبارة أخرى : إن الممكنات والمخلوقات لا تكون هنا واسطة لإثبات وجوده ، بل إن ذاته بنفسه تدل على ذاته ، ويكون تعالى مصداقا ل‍ " يا من دل على ذاته بذاته " ( 1 ) ومصداقا أيضا ل‍ شهد الله أنه لا إله إلا هو ( 2 ) . إن هذا الاستدلال استدلال فلسفي معقد بحيث لا يستطيع أن يحيط بكنهه وبأعماقه إلا من يحيط بمبادئه ، وليس من قصدنا هنا تبسيط الدليل فذلك شأن الكتب الفلسفية ، وإنما أردنا من خلال هذا العرض أن نقف على آراء بعض المفسرين من الذين يعتقدون بأن مطلع الآية في قوله تعالى : سنريهم آياتنا في الآفاق يتضمن إشارة إلى دليل " النظم " والعلة والمعلول . بينما اعتبروا نهاية

--> 1 - هذا المقطع من دعاء الصباح المنقول عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . 2 - آل عمران ، الآية 18 .