الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

43

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تعود الآيات لتؤكد عليها مرة أخرى ، إذ تقول وبنفس اللهجة السابقة : قل الله أعبد مخلصا له ديني ( 1 ) . أما أنتم فاعبدوا ما شئتم من دون الله : فاعبدوا ما شئتم من دونه . ثم تضيف : قل إن الخاسرين اللذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة . أي إنهم لم يستثمروا طاقاتهم وعمرهم ، ولا من عوائلهم وأولادهم لإنقاذهم ، ولا لإعادة ماء الوجه المراق إليهم ، وهذا هو الخسران العظيم : ألا ذلك هو الخسران المبين . الآية الأخيرة في بحثنا هذا تصف إحدى صور الخسران المبين ، إذ تقول : لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل . وبهذا الشكل فإن أعمدة النيران تحيط بهم من كل جانب ، فهل هناك أعظم من هذا ؟ وهل هناك عذاب أشد من هذا ؟ " ظلل " جمع ( ظلة ) على وزن " سنة " وتعني الستر الذي ينصب في الجهة العليا . وطبقا لهذا فإن إطلاق هذه الكلمة على ما يفرش تحت أهل النار اطلاق مجازي ومن باب التوسع في معنى الكلمة . بعض المفسرين قالوا : بما أن أصحاب النار يتقلبون بين طبقات جهنم ، فإن ستائر النار محيط بهم من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم . والآية ( 55 ) من سورة العنكبوت تشبه هذه الآية : يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون . هذا في الحقيقة تجسيد لأحوالهم وأوضاعهم في هذه الدنيا ، إذ أن الجهل والكفر والظلم محيط بكل وجودهم ، ومستحوذ عليهم من كل جانب ، ثم تضيف الآية مؤكدة وواعظة إياهم : ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون . إضافة كلمة ( العباد ) إلى لفظ الجلالة في هذه الآية ، ولعدة مرات إشارة إلى أن

--> 1 - تقديم ( اسم الجلالة ) والذي هو مفعول ( أعبد ) يفيد الحصر هنا ، وقوله ( مخلصا له ديني ) التي هي حال يؤكد معنى الحصر .