الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
410
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والإكبار إلى من أساء إليه . وهنا ستزول الأحقاد والعداوات من الداخل وتترك مكانها للحب والمودة . ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن هذا الأمر لا يمثل قانونا دائما ، وإنما هو صفة غالبة ، لأن هناك أقلية تحاول أن تسئ الاستفادة من هذا الأسلوب ، فما لم ينزل بها ما تستحق من عقاب فإنها لا تترك أعمالها الخاطئة . ولكن في نفس الوقت الذي نستخدم العقوبة والشدة ضد هذه الأقلية ، علينا أن لا نغفل عن أن القانون المتحكم بالأكثرية هو قانون : " ادفع السيئة بالحسنة " . لذلك رأينا أن رسول الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والقادة من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) كانوا يستفيدون دائما من هذا الأسلوب القرآني العظيم ، ففي فتح مكة مثلا كان الأعداء - وحتى الأصدقاء - ينتظرون أن تسفك الدماء وتؤخذ الثارات من الكفار والمشركين والمنافقين الذين أذاقوا المؤمنين ألوان الأذى والعذاب في مكة وخارجها ، من هنا رفع بعض قادة الفتح شعار " اليوم يوم الملحمة ، اليوم تسبى الحرمة ، اليوم أذل الله قريشا " لكن ما كان من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتنفيذا لأخلاقية " ادفع السيئة بالحسنة " إلا أن عفا عن الجميع وأطلق كلمته المشهورة : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " . ثم أمر ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يستبدل الشعار الانتقامي بشعار آخر يفيض إحسانا وكرما هو : " اليوم يوم المرحمة ، اليوم أعز الله قريشا " ( 1 ) . لقد أحدث هذا الموقف النبوي الكريم عاصفة في أرض مشركي مكة حتى أنه على حد وصف كتاب الله تعالى بدأوا : يدخلون في دين الله أفواجا ( 2 ) . لكن برغم ذلك ، نرى أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) استثنى بعض الأشخاص من العفو العام هذا ، كما نقله أصحاب السيرة ، لأنهم كانوا خطرين ولم يستحقوا العفو النبوي الكريم الذي عبر فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن خلق الإسلام ومنطق النبيين حينما قال :
--> 1 - بحار الأنوار ، المجلد 21 ، صفحة 109 . 2 - سورة النصر ، آية 2 .