الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
411
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
" لا أقول لكم إلا كما قال يوسف لإخوته : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " ( 1 ) . " ولي " هنا بمعنى الصديق . و ( حميم ) تعني في الأصل الماء الحار المغلي ، وإذا قيل لعرق جسم الإنسان ( حميم ) فذلك لحرارته ، ولهذا السبب يطلق اسم " الحمام " على أماكن الغسل ، ويقال أيضا للأصدقاء المخلصين والمحبين للشخص " حميم " والآية تقصد هذا المعنى . وضروري أن نشير إلى أن قوله تعالى : كأنه ولي حميم حتى وإن لم تكن تعني أن الشخص لم يكن كذلك حقا ، إلا أن ظاهره سيكون كذلك على الأقل . إن هذا الأسلوب من التعامل مع المعارضين والأعداء ليس بالأمر العادي السهل ، والوصول إليه يحتاج إلى بناء أخلاقي عميق ، لذلك فإن الآية التي بعدها تبين الأسس الأخلاقية لمثل هذا التعامل في تعبير قصير ينطوي على معاني كبيرة ، حيث يقول تعالى : وما يلقاها إلا الذين صبروا ( 2 ) . وكذلك : وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم . على الإنسان أن يجاهد نفسه مدة طويلة حتى يستطيع أن يسيطر على غضبه ، يجب أن تكون روحه قوية في ظل الإيمان والتقوى حتى لا يستطيع أن يتأثر بسرعة وبسهولة بإيذاء الأعداء ، ولا يطغى عنده حب الانتقام ، فتلزمه الروح الواسعة وانشراح الصدر بالمقدار الكافي ، حتى يصل الإنسان إلى هذه المرحلة من الكمال بحيث يقابل السيئات بالإحسان . وعليه أن يتجاوز مرحلة العفو ليصل إلى منزلة " دفع السيئة بالحسنة " وأن يحتسب كل ذلك في سبيل الله تعالى بغية تحقيق الأهداف المقدسة . وهنا أيضا - كما تلاحظون - تواجهنا قضية " الصبر " بوصف هذه الخصلة
--> 1 - بحار الأنوار ، المجلد 21 ، صفحة 132 . 2 - يرجع ضمير ( يلقاها ) إلى ( الخصلة ) أو ( الوصية ) المستفادة من الجملة السابقة .