الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
392
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم . وكذلك تشبه الآية ( 21 ) من سورة " إبراهيم " حيث قوله تعالى : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص . وللتأكيد على هذا الأمر تضيف الآية : وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين . " يستعتبون " مأخوذه في الأصل من ( العتاب ) وتعني إظهار الخشونة ، ومفهوم ذلك أن الشخص المذنب سيستسلم للوم صاحب الحق كي يعفو عنه ويرضى عنه ، لذلك فإن كلمة ( استعتاب ) تعني الاسترضاء وطلب العفو ( 1 ) . ثم تشير الآية الثانية إلى العذاب الدنيوي لهؤلاء فتقول : وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم حيث قام هؤلاء الجلساء بتصوير المساوئ لهم حسنات . " قيضنا " من ( قيض ) على وزن ( فيض ) وتعني في الأصل قشرة البيضة الخارجية ، ثم قيلت لوصف الأشخاص الذين يسيطرون على الإنسان بشكل كامل ، كسيطرة القشرة على البيضة . وهذه إشارة إلى أن أصدقاء السوء والرفاق الفاسدين يحيطون بهم من كل مكان ، حيث يصادرون أفكارهم ، ويهيمنون عليهم بحيث يفقدون معه قابلية الإدراك والإحساس المستقل ، وعندها ستكون الأمور القبيحة السيئة جميلة حسنة في نظرهم ، وبذلك ينتهي الإنسان إلى الوقوع في مستنقع الفساد وتغلق بوجهه أبواب النجاة . في بعض الأحيان تستخدم كلمة " قيضنا " لتبديل شئ مكان شئ آخر ، ووفقا لهذا المعنى سيكون مقصود الآية ، هو أننا سنأخذ منهم الأصدقاء الصالحين ونسلب منهم رفاق الخير ، لنبدلهم بأصدقاء السوء والقرناء الفاسدين . لقد ورد هذا المعنى بشكل أوضح في الآيتين ( 36 - 37 ) من سورة " الزخرف "
--> 1 - يلاحظ " مفردات الراغب " و " لسان العرب " في مادة " عتب " .