الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
337
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وواجهتهم بالمنطق والاستدلال ، وأوضحت لهم عاقبة أعمالهم . فأولا تقول : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم . فإذا كان عندهم شك في صحة التأريخ المدون على الأوراق ، فهل عندهم شك فيما يلمسونه من الآثار الموجودة على سطح الأرض ، من القصور الخربة للملوك ، والعظام النخرة تحت التراب ، أو المدن التي أصابها البلاء والعذاب وبقيت آثارها شاهدة على ما جرى عليها ؟ ! فأولئك : كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض . حيث يمكن معرفة عددهم وقوتهم من آثارهم المتمثلة في قبورهم وقصورهم ومدنهم . عبارة : آثارا في الأرض - سبق تفسيرها في الآية ( 21 ) من نفس السورة - فلعلها إشارة إلى تقدمهم الزراعي ، كما جاء في الآية ( 9 ) من سورة الروم ، أو إشارة إلى البناء العظيم للأقوام السابقين في قلب الجبال والسهول ( 1 ) . ومع هذه القوة والعظمة التي كانوا يتمتعون بها ، فإنهم لم يستطيعوا مواجهة العذاب الإلهي : فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ( 2 ) . بل إن كل قواهم وقدراتهم أبيدت خلال لحظات قصيرة ، حيث خربت القصور وهلكت الجيوش التي كان يلوذ بها الظالمون . . . وسقطوا كما تسقط أوراق الخريف ، أو أغرقوا في خضم الأمواج العاتية . فإذا كان هذا هو مصير أولئك السابقين مع كل ما لديهم ، فبأي مصير - يا ترى - يفكر مشركو مكة وهم أقل من أولئك ؟ ! الآية التي بعدها تنتقل للحديث عن تعاملهم مع الأنبياء ومعاجز الرسل البينة ،
--> 1 - كما تذكره الآيات ( 128 ) و 129 ) من سورة الشعراء . 2 - هناك احتمالان في ( ما ) في جملة " ما أغنى " فإما نافية أو استفهامية ، لكن يظهر أن الأول هو الصحيح ، وهناك أيضا احتمالان في " ما " في جملة ( ما كانوا يكسبون ) فإما موصولة أو مصدرية ولكن الأول هو المرجح