الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
33
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الهادي فإنه لا يتأثر أبدا بأشد الأعاصير ولذا سمي المحيط الهادي . نهاية الآية تخاطب مثل أولئك الأشخاص بلغة ملؤها التهديد الصريح والحازم والقاطع : قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار . فهل يمكن أن يكون لإنسان كهذا مصير أفضل من هذا ؟ ! الآية التالية استخدمت أسلوب المقارنة ، الأسلوب الذي طالما استخدمه القرآن المجيد لإفهام الآخرين القضايا المختلفة ، حيث تقول : هل أن مثل هذا الشخص انسان لائق وذو قيمه : أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ( 1 ) . أين ذلك الإنسان المشرك والغافل والمتلون والضال والمضل من هذا الإنسان ذو القلب اليقظ الطاهر الساطع بالنور ، الذي يسجد لله في جوف الليل والناس نيام ، ويدعو ربه خائفا راجيا ؟ ! فهؤلاء في حال النعمة لا يعدون أنفسهم في مأمن من العقاب والعذاب ، وفي حال البلاء لا ييأسون من رحمته ، وهذان العاملان يرافقان وجودهم أثناء حركتهم المستمرة بحذر واحتياط نحو معشوقهم . " قانت " من مادة " قنوت " بمعنى ملازمة الطاعة المقرونة بالخشوع والخضوع . " آناء " هي جمع ( انا ) - على وزن كذا - وتعني ساعة أو مقدارا من الوقت . التأكيد هنا على ساعات الليل ، لأن تلك الساعات يحضر فيها القلب أكثر ، وتقل نسبة تلوثه بالرياء أكثر من أي وقت آخر . قدمت الآية السجود على القيام ، وذلك لكون السجود من أعلى درجات العبادة ، وإطلاق الرحمة وعدم تقيدها بالآخرة دليل على سعة الرحمة الإلهية التي تشمل الحياة الدنيا والآخرة .
--> 1 - في هذه العبارة شق محذوف ، والتقدير ( أهذا الذي ذكرنا خير أمن هو قانت آناء الليل ) .