الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
267
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لقد قرأنا سابقا أن فرعون كان يقول : إن ما أقوله هو طريق الرشد والصلاح ، إلا أن مؤمن آل فرعون أبطل هذا الادعاء الفارغ ، وأفهم الناس زوره ، وحذرهم أن يقعوا فريسة هذا الادعاء ، إذ أن خططه ستفشل وسيصاب بسوء العاقبة ، فالطريق هو ما أقوله ، إنه طريق التقوى وعبادة الله . ثم تضيف الآية : يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار . يريد أن يقول لهم : لنفرض أننا انتصرنا ببذل الحيل والتوسل بوسائل الخداع والمكر ، وتركنا الحق وراء ظهورنا ، وارتكبنا الظلم وتورطنا بدماء الأبرياء ، ترى ما مقدار عمرنا في هذا العالم ؟ إن هذه الأيام المعدودة ستنتهي وسنقع في قبضة الموت الذي يجرنا من القصور الفخمة إلى تحت التراب وتكون حياتنا في مكان آخر . إن القضية ليست فناء هذه الدنيا وبقاء الآخرة وحسب ، بل الأهم من ذلك هي قضية الحساب والجزاء ، حيث يقول تعالى : من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب . إن مؤمن آل فرعون - بكلامه هذا - آثار أولا قضية عدالة الله تبارك وتعالى ، حيث يقاضي الإنسان بما اكتسبت يداه خيرا أو شرا . ومن جهة ثانية أشار في كلامه إلى الثواب والفضل الإلهي لذوي العمل الصالح ، إنه الجزاء الذي لا يخضع لموازين الحساب الكمية ، إذ يهب الله تبارك وتعالى للمؤمنين بغير حساب ، مما لم تره عين أو تسمعه أذن ولا يخطر على فكر إنسان . ومن جهة ثالثة أشار للتلازم القائم بين الإيمان والعمل الصالح . ورابعة يشير أيضا إلى مساواة الرجل والمرأة في محضر الله تبارك وتعالى ،