الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

252

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وتغييرها لمصالح قضيته ودعوته ما استطاع إلى ذلك سبيلا . الآن نسأل : هل كان بوسع مؤمن آل فرعون إسداء كل هذه الخدمات لدعوة موسى ( عليه السلام ) لو لم يستخدم أسلوب التقية ؟ لذلك كله ورد في حديث عن الإمام الصادق قوله ( عليه السلام ) : التقية ديني ودين آبائي ، ولا دين لمن لا تقية له ، والتقية ترس الله في الأرض ، لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل " ( 1 ) . إن فاعلية هذا المبدأ تكتسب أهمية استثنائية في الوقت الذي يكون فيه المؤمنون قلة خاضعة للأكثرية التي لا ترحم ولا تتعامل وفق المنطق ، فالعقل لا يسمح بإظهار الإيمان ( باستثناء الضرورات ) والتفريط بالطاقات الفعالة ، بل الواجب يقضي بكتمان العقيدة والتخفي على المعتقد في مثل هذا الوضع لكي يصار إلى تجميع الطاقات والقوى والإفادة منها لتسديد الضربة النهائية والقاصمة في الوقت والظرف المناسبين . إن الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التزم بنفسه هذا المبدأ ، حينما أبقى دعوته سرية لبضع سنوات ، وحينما ازداد أتباعه وتشكلت النواة الإيمانية القادرة للحفاظ على الدعوة الجديدة صدع ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأمره تعالى أمام القوم . ومن بين الأنبياء الآخرين نرى إبراهيم ( عليه السلام ) الذي استخدم أسلوب التقية ، ووظف هذا المبدأ في عمله الشجاع الذي حطم فيه الأصنام ، وإلا فلولا التقية لم يكن بوسعه أن ينجح في عمله أبدا . كذلك استفاد أبو طالب عم الرسول من أسلوب التقية في حماية رسول الله ودعوته الناشئة ، إذ لم يعلن عن صريح إيمانه برسول الله وبالإسلام إلا في فترات ومواقف خاصة ، كي يستطيع من خلال ذلك لنهوض بأعباء دوره المؤثر في حفظ حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيال مكائد وطغيان الشرك القرشي .

--> 1 - مجمع البيان ، المجلد الثامن ، صفحة 521 .