الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

219

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

من بين آيات الله المبثوثة في السماء والأرض وفي وجود الإنسان ، ذلك لأن الرزق هو أكثر ما يشغل البال والفكر ، وأحيانا نرى الإنسان يستنجد بالأصنام من أجل زيادة الرزق ، وإنقاذه من وضعه المتردي ، لذا يأتي القرآن ليؤكد أن جميع الأرزاق هي بيد الله ولا تستطيع الأصنام أو غيرها أن تفعل أي شئ . وأخيرا تضيف الآية الكريمة : برغم جميع هذه الآيات البينات التي تسود هذا العالم الواسع ، وتغمد الوجود بضيائها ، إلا أن العيون العمياء والقلوب المحجوبة لا تكاد ترى شيئا ، وإنما يتذكر - فقط - من ينيب إلى خالقه ويغسل قلبه وروحه من الذنوب : وما يتذكر إلا من ينيب . الآية التي بعدها ترتب نتيجة على ما سبق فتقول : فادعوا الله مخلصين له الدين انهضوا واضربوا الأصنام وحطموها بفؤوس الإيمان ، وامحوا آثارها من ذاكرة الفكر والثقافة والمجتمع . ومن الطبيعي أن وقفتكم الربانية هذه ستؤذي الكافرين والمعاندين ، لكن عليكم أن لا تسمحوا للخوف أن يتسرب إلى قلوبكم ، أخلصوا نياتكم : ولو كره الكافرون . ففي المجتمع الذي يشكل فيه عبدة الأصنام الغالبية ، يكون طريق أهل التوحيد موحشا في بادئ الأمر ، مثل شروق الشمس في بدايات الصباح الأولى وسط عالم الظلام والخفافيش ، لكن عليكم أن لا تركنوا إلى ردود الأفعال غير المدروسة ، تقدموا بحزم وإصرار ، وارفعوا راية التوحيد والإخلاص ، وانشروها في كل مكان . تصف الآية التي تليها خالق الكون ومالك الحياة والموت ، بعض الصفات المهمة ، فتقول : رفيع الدرجات فهو تعالى يرفع درجات العباد الصالحين كما في قوله تعالى : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ( 1 ) .

--> 1 - المجادلة ، الآية 11 .