الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

218

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

قطرات المطر تعطي الحياة ، ونور الشمس يحيي الكائنات ، والهواء سر الوجود والحياة ، حياة جميع الكائنات ، حيوانات نباتات ، أناس . . . كلها تنزل من السماء . وتشكل هذه الأثافي الثلاث فيما بينها قوام الحياة ، حيث تتفرع الأشياء الأخرى من أصولها . بعض المفسرين أطلق على السماء اسم " عالم الغيب " وعلى الأرض اسم " عالم الشهود " ونزول الرزق من السماء إلى الأرض هو بمعنى الظهور من عالم الغيب إلى عالم الشهود . ولكن هذا التفسير فضلا عن منافاته لظاهر الآية ، لم نعثر له على دليل وشاهد ، صحيح أن الوحي والآيات ، هما غذاء الروح ، ينزلان من سماء الغيب ، وأن المطر والشمس والنور التي تعتبر غذاء الجسد تنزل من السماء الظاهرية ، وهما متناسقان مع بعضهما . ولكن ينبغي أن لا نتصور أن عبارة ( آياته ) التي نحن بصددها تشير إلى مفهوم أوسع ، أو تشير بالخصوص إلى الآيات التشريعية ، لأن عبارة يريكم آياته وردت مرارا في القرآن الكريم ، وهي عادة ما تطلق على الآيات الدالة على التوحيد في عالم الوجود . مثلا ، في أواخر هذه السورة ( المؤمن ) وبعد ذكر النعم الإلهية ، من قبيل الزواحف والفلك تقول : ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون ( 1 ) . إن تعبير " يريكم " ينسجم في العادة مع الآيات التكوينية ، بينما جرت العادة في الآيات التشريعية على استخدام تعابير مثل ( أوحى ) و ( يأتيكم ) . من هنا يتبين أن اعتبار هذه الآيات بمعنى الآيات التشريعية ، وأنها أعم من التشريعية والتكوينية ، كما يذهب بعض كبار المفسرين القدماء والمحدثين إلى ذلك ، لا يستند إلى دليل ، ولا تقوم عليه حجة . ولكن من الضروري أن نلتفت إلى أن القرآن يختار الإشارة إلى آية الرزق

--> 1 - المؤمن ، الآية 81 .