الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
144
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
للأوثان ! ! نعم ، فمصدر الشرك هو عدم معرفة البارئ عز وجل بصورة صحيحة ، فالذي يعلم : أولا : أن الله مطلق وغير محدود من جميع النواحي . وثانيا : أنه خالق كل الموجودات التي تحتاج إليه في كل لحظة من لحظات وجودها . وثالثا : أنه يدير الكون ويحل كل عقد المشاكل ، وأن الأرزاق بيده ، وحتى الشفاعة إنما تتم بإذنه وأمره ، فما معنى توجه من يعلم بكل هذه الحقائق إلى غير الله . وأساسا فإن وجود مثل هذه الصفات في موجودين اثنين أمر محال ، لأنه من غير الممكن عقلا وجود موجودين مطلقين من جميع الجهات . ثم يأتي القرآن بعبارتين كنائيتين بعد العبارة السابقة ، وذلك لبيان عظمة وقدرة البارئ عز وجل ، إذ يقول كلام الله المجيد : والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه . " القبضة " : الشئ الذي يقبض عليه بجميع الكف ، تستخدم - عادة - للتعبير عن القدرة المطلقة والتسلط التام ، مثلما نقول في الاصطلاحات اليومية الدارجة : إن المدينة الفلانية هي بيدي ، أو الملك الفلاني هو بيدي وفي قبضتي . " مطويات " : من مادة ( طي ) وتعني الثني ، والتي تستعمل أحيانا كناية عن الوفاة وانقضاء العمر ، أو عن عبور شئ ما . والعبارة المذكورة أعلاه استخدمت بصورة واضحة بشأن السماوات في الآية ( 104 ) من سورة الأنبياء يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب . فالذي يثني طومارا ويحمله بيده اليمنى يسيطر بصورة كاملة على الطومار الذي يحمله بتلك اليد ، وانتخبت اليد اليمنى هنا لأن أكثر الأشخاص يؤدون