الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
137
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فمسألة ( توحده في الخلق ) هي حقيقة اعترف بها حتى المشركون ، كما ورد في الآية ( 38 ) من السورة هذه ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله . ولكنهم ابتلوا بالانحراف فيما يتعلق بمسألة ( توحده في الربوبية ) ، ففي بعض الأحيان اعتبروا الأصنام هي التي تحفظهم وتحميهم وتدبر أمرهم ، وكانوا يلجؤون إليها عندما يواجهون أي مشكلة . والقرآن المجيد - من خلال الآية المذكورة أعلاه - يشير إلى حقيقة أن تدبير أمور الكون وحفظه هي بيد خالقه ، وليس بيد أحد آخر ، ولهذا يجب اللجوء إليه دائما . وقد ذكر " ابن منظور " في كتاب ( لسان العرب ) معاني متعددة لكلمة ( وكيل ) منها : الكفيل ، والحافظ ، والمدبر للأمر . ومن هنا يتضح أن الأصنام ليست مصدر خير أو شر ، وأنها عاجزة عن حل أبسط عقدة ، حيث أنها موجودات ضعيفة وعاجزة ، ولا يمكن أن تقدم أدنى فائدة للإنسان . وقد عمد بعض المؤيدين للمذهب الجبري إلى الاستدلال على بعض الأمور من عبارة الله خالق كل شئ لتأكيد ما جاء في معتقداتهم المنحرفة ، إذ قالوا : إن هذه الآية تشمل الأعمال أيضا ، ولهذا فإن أعمالنا تعد من خلق الله ، رغم أن أعضاءنا هي التي تقوم بها . إن خطأ أولئك هو أنهم لم يدركوا هذه الحقيقة جيدا ، وهي أن خالقية الله سبحانه وتعالى لا يوجد فيها أي تعارض مع حرية الإرادة والاختيار لدينا ، لأن التناسب فيما بينهما طولي وليس عرضي . فأعمالنا تتعلق بالله ، وتتعلق بنا أيضا ، لأنه لا يوجد هناك شئ في هذا الكون يمكن أن يكون خارج إطار سلطة البارئ عز وجل ، وعلى هذا الأساس فإن أعمالنا هي من خلقه ، وإنه أعطانا القدرة والعقل والاختيار والإرادة وحرية