الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

138

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

العمل ، ومن هذه الناحية يمكن أن ننسب أعمالنا إليه ، حيث أنه أراد أن نكون أحرارا وننفذ الأعمال باختيارنا ، كما أنه وضع كل ما نحتاجه تحت تصرفنا . لكننا في الحال ذاته أحرار مخيرون في تنفيذ الأعمال ، وعلى ذلك فإن أفعالنا منسوبة إلينا ونحن المسؤولون عنها . فإذا قال أحد : إن الإنسان يخلق أعماله ، ولا دخل لله عز وجل فيها ، فإنه قد أشرك لأنه في هذه الحالة يعتقد بوجود خالقين ، خالق كبير وخالق صغير ، وإذا قال آخر : إن أعمالنا هي من خلق الله ولا دخل لنا فيها ، فقد انحرف ، لأنه أنكر بقوله هذا حكمة وعدالة الله ، إذ لا يصح أن يجبرنا في الأعمال ، ثم يحملنا مسؤوليتها ! لأن في هذه الحالة ، يصبح الجزاء والثواب والحساب والمعاد والتكليف والمسؤولية كلها عبثا . لذا فإن الاعتقاد الإسلامي الصحيح والذي يمكن أن يستشف من مجموع آيات القرآن المجيد ، هو أن كل أعمالنا منسوبة لله وإلينا ، وهذه النسبة لا يوجد فيها أي تعارض ، لأنها طولية وليست عرضية . أما الآية التالية فقد تطرقت ( توحيد الله في المالكية ) لتكمل بحث التوحيد الذي ورد في الآيات السابقة ، إذ تقول : له مقاليد السماوات والأرض . " مقاليد " : كما يقول أغلب اللغوين ، جمع ( مقليد ) ( مع أن الزمخشري يقول في الكشاف : إن هذه الكلمة ليس لها مفرد من لفظها ) و ( مقليد ) و ( إقليد ) كلاهما تعني المفتاح ، وعلى حد قول صاحب كتاب ( لسان العرب ) وآخرين غيره فإن كلمة ( مقليد ) مأخوذة من ( كليد ) الفارسية الأصل ، ومن العربية تستعمل بنفس المعنى ، ولذا فإن مقاليد السماوات والأرض تعني مفاتيح السماوات والأرض . هذه العبارة تستخدم ككناية عن امتلاك شئ ما أو التسلط عليه كأن يقول أحد : مفتاح هذا العمل بيد فلان . لذا فإن الآية المذكورة أعلاه يمكن أن تشير إلى ( وحدانية الله في الملك ) وفي نفس الوقت تشير إلى وحدانيته في التدبير والربوبية