الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

74

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تجذب الناظرين وتحيرهم وتدهشهم . أولا تقول الآية الكريمة : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها . شروع هذه الجملة بالاستفهام التقريري ، وبتحريك حس التساؤل لدى البشر ، إشارة إلى أن هذا الموضوع جلي إلى درجة أن أي شخص إذا نظر أبصر ، نعم ، يبصر هذه الفواكه والزهور الجميلة والأوراق والبراعم المختلفة بأشكال مختلفة تتولد من ماء وتراب واحد . " ألوان " : قد يكون المراد " الألوان الظاهرية للفواكه " والتي تتفاوت حتى في نوع الفاكهة الواحد كالتفاح الذي يتلون بألوان متنوعة ناهيك عن الفواكه المختلفة . وقد يكون كناية عن التفاوت في المذاق والتركيب والخواص المتنوعة لها ، إلى حد أنه حتى في النوع الواحد من الفاكهة توجد أصناف متفاوتة ، كما في العنب مثلا حيث أنه أكثر من 50 نوعا ، والتمر أكثر من سبعين نوعا . والملفت للنظر هو استخدام صيغة الغائب في الحديث عنه عز وجل ، ثم الانتقال إلى صيغة المتكلم ، وهذا النوع من التعابير ، غير منحصر في هذه الآية فقط ، بل يلاحظ في مواضع أخرى من القرآن المجيد أيضا ، وكأن الجملة الأولى تعطي للمخاطب إدراكا ومعرفة جديدة ، وتستحضره بهذا الإدراك والمعرفة بين يدي الباري عز وجل ، ثم عنده حضوره يلقى عليه الحديث مباشرة . ثم تشير الآية إلى تنوع أشكال الجبال والطرق الملونة التي تمر من خلالها وتؤدي إلى تشخيصها وتفريقها الواحدة عن الأخرى . فتقول : ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ( 1 ) . هذا التفاوت اللوني يضفي على الجبال جمالا خاصا من جهة ، ومن جهة

--> 1 - قال البعض بأن هذه الجملة الاستئنافية " من الجبال " خبر مقدم و " جدد " مبتدأ مؤخر ، وذهب آخرون : إن تقدير الجملة هكذا " ألم تر أن من الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها " .