الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
494
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أن وضحت مقامه الرفيع ، إذ تقول : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم القيامة . محتوى هذه الآية التي تتحدث عن مقام داود الرفيع والوظائف المهمة التي كلف بها ، تبين أن القصص الخيالية والكاذبة التي نسجت بشأن زواج داود من زوجة ( أوريا ) كلها كاذبة ولا أساس لها من الصحة . فهل يمكن أن ينتخب الباري عز وجل شخصا ينظر إلى شرف المؤمنين والمقربين منه بعين خؤونة ويلوث يده بدم الأبرياء - خليفة له في الأرض ، ويمنحه حكم القضاء المطلق ؟ ! هذه الآية تضم خمس جمل كل واحدة منها تتحدث عن حقيقة معينة : الأولى : خلافة داود في الأرض ، فهل المقصود منها خلافته للأنبياء السابقين ، أم أنها تعني خلافة الله ؟ المعنى الثاني أنسب ويتطابق مع ما جاء في الآية ( 30 ) من سورة البقرة : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة . بالطبع فإن المعنى الواقعي للخلافة لا يتعلق بالله ، لأنه يأتي في مورد وفاة شخص أو غيابه ، والمراد من الخلافة هنا هو أن يكون نائبا لله بين العباد ، والمنفذ لأوامر الله سبحانه وتعالى في الأرض . هذه الجملة تبين أن الحكومة في الأرض يجب أن تستلهم شرعيتها من الحكومة الإلهية ، وأي حكومة لا تستلهم شرعيتها من الحكومة الإلهية فإنها حكومة ظالمة وغاصبة . الجملة الثانية : تأمر داود قائلة : بعد أن منحك الله سبحانه وتعالى هذه النعمة الكبيرة ، أي الخلافة ، فإنك مكلف بأن تحكم بين الناس بالحق فاحكم بين الناس بالحق . وفي واقع الأمر فإن إحدى ثمار خلافة الله هي ظهور حكومة تحكم بالحق ، ومن هذه الجملة يمكن القول أن حكومة الحق تنشأ - فقط - عن خلافة الله ، وأنها