الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
473
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فداود - مع هذه القدرة العظيمة التي منحها إياه رب العالمين - لم يسلم من تجريح الآخرين وبذاءة لسانهم ، وفي هذا الكلام مواساة للنبي الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في أن هذه المسألة لا تنحصر بك فقط ، وإنما شاركك فيها كبار الأنبياء ( عليهم السلام ) . ففي البداية تقول آيات بحثنا : اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب . " الأيد " بمعنى القدرة ، وتأتي أيضا بمعنى النعمة . وقد توفر المعنيان المذكوران أعلاه في داود ، إذ كان يتمتع بقوة جسدية مكنته من أن يقتل الطاغية جالوت بضربة قوية واحدة بواسطة حجر رماه من مقلاعه على جالوت ، فأسقطه من فرسه مضرجا بدمه خلال إحدى المعارك . وقال البعض : إن الحجر مزق صدر جالوت وخرج من ظهره . أما من حيث قدرته السياسية ، فقد كانت حكومته قوية ومستعدة دائما لمواجهة الأعداء ، بكل قوة واقتدار ، حتى قيل أن الآلاف من جنده كانت تقف على أهبة الاستعداد من المساء حتى الصباح في أطراف محراب عبادته . ومن حيث قدرته الأخلاقية والمعنوية والعبادية ، فإنه كان يقوم معظم الليل في عبادة الله ، ويصوم نصف أيام السنة . وأما من حيث النعم الإلهية ، فقد أنعم عليه البارئ عز وجل بالكثير من النعم الظاهرية والباطنية . خلاصة الحديث ، إن داود كان رجلا ذا قوة وقدرة في الحروب والعبادات والعلم والمعرفة وفي السياسة ، وكان أيضا صاحب نعمة كبيرة ( 1 ) . " أواب " مشتقة من ( أوب ) على وزن ( قول ) وتعني العودة الاختيارية إلى أمر ما ، ولكون ( أواب ) على صيغة المبالغة ، فإنها تشير إلى أنه كان كثيرا ما يعود إلى الله سبحانه وتعالى ، وكان يتوب عن أصغر غفلة وترك للأولى .
--> 1 - ( أيد ) جمع ( يد ) ، وقد استعملت هنا لكونها مظهر القوة والنعمة والملك ، وقد حملت كل هذه المعاني هنا .