الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

474

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وطبقا لأسلوب القرآن في الإيجاز والتفصيل في ذكر القضايا المختلفة ، فإن الآيات الآنفة بعد أن تطرقت بصورة موجزة إلى نعم الله على داود ، تشرح أنواعا من تلك النعم ، قال تعالى : إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ( 1 ) . كذلك سخرنا له مجاميع الطيور كي تسبح الله معه والطير محشورة . فكل الطيور والجبال مسخرة لداود ومطيعة لأوامره ، وتسبح معه البارئ عز وجل ، وتعود إليه ، كل له أواب . الضمير ( له ) يمكن أن يعود على داود ، وطبقا لهذا فإن مفهوم الجملة ينطبق مع ما ذكرناه أعلاه ، وهناك احتمال وارد أيضا وهو أن ضمير ( له ) يعود إلى ذات الله الطاهرة ، ويعني أن كل ذرات العالم تعود إليه ومطيعة لأوامره . هناك سؤال يطرح ، وهو : كيف تردد الطيور والجبال صوت التسبيح مع داود ؟ اختلف المفسرون في الإجابة على هذا السؤال ، وذكروا عدة تفاسير واحتمالات له ، منها : 1 - قال البعض : إن صوت داود الجذاب كان يتردد صداه عندما تصطدم موجاته الصوتية بالجبال فيجذب الطيور إليه ( وبالطبع فإن هذه لا تعد فضيلة كي يتطرق إليها القرآن المجيد وبشئ من العظمة ) . 2 - واحتمل البعض الآخر أن تسبيحها كان توأما مع صوت ظاهري ، مرافقا لنوع من الإدراك والشعور الذي هو في باطن ذرات العالم ، وطبقا لهذا الاحتمال ، فإن كل موجودات العالم تتمتع بنوع من العقل والشعور ، وحينما تسمع صوت مناجاة هذا النبي الكبير تردد معه المناجاة ، ليمتزج تسبيحها مع تسبيح داود ( عليه السلام ) .

--> 1 - ( معه ) من الممكن أن تكون متعلقة بقوله ( يسبحن ) ووفقا لهذا فإن اقتداء الجبال بداود في التسبيح يوضح نفس ما جاء في الآية ( 10 ) من سورة سبأ يا جبال أوبي معه ويمكن أن تكون ( معه ) متعلقة ب‍ ( سخرنا ) وفي هذه الحالة فإن مفهوم العبارة يكون ( إنا سخرنا له الجبال ) واستخدام كلمة ( معه ) بدلا من ( له ) إنما تم لتوضيح اشتراكهما في التسبيح .