الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
409
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
نفس الوقت ، إذ أن بقاءه في داخل بطن الحوت أدى إلى أن يصبح جلده رقيقا جدا وحساسا ، بحيث يتألم إن استقرت عليه حشرة . ويحتمل أن الباري عز وجل يريد من هذه المرحلة إكمال الدرس الذي أعطاه ليونس في بطن الحوت ، إذ كان عليه أن يحس بتأثير حرارة الشمس على جلده الرقيق ، كي يبذل جهدا وسعيا أكثر - عندما يتسلم القيادة في المستقبل - لإنقاذ أمته من نار جهنم ، وقد ورد هذا المضمون في روايات متعددة ( 1 ) . نترك الحديث عن يونس ونعود إلى قومه ، فبعد أن ترك يونس قومه وهو غضبان ، ظهرت لقومه دلائل تبين لهم قرب موعد الغضب الإلهي ، هذه الدلائل هزت عقولهم بقوة وأعادتهم إلى رشدهم ، ودفعتهم إلى اللجوء للشخص ( العالم ) الذي كان آمن بيونس وما زال موجودا في المدينة ، واتخاذه قائدا لهم ليرشدهم إلى طريق التوبة . وورد في روايات أخرى أنهم خرجوا إلى الصحراء ، وفرقوا بين المرأة وطفلها ، وحتى بين الحيوانات وأطفالها ، وجلسوا يبكون وينتحبون بأعلى أصواتهم ، داعين الله سبحانه وتعالى بإخلاص أن يتقبل توبتهم ويغفر ذنوبهم وتقصيرهم بعدم اتباعهم نبي الله يونس . وهنا أزاح الله عنهم سحب العذاب وأنزلها على الجبال ، وهكذا نجا قوم يونس التائبون المؤمنون بلطف الله ( 2 ) . بعد هذا عاد يونس إلى قومه ليرى ماذا صنع بهم العذاب الإلهي ؟ ولكن ما إن عاد إلى قومه حتى فوجئ بأمر أثار عنده الدهشة والعجب ، وهو أنه ترك قومه في ذلك اليوم يعبدون الأصنام ، وهم اليوم يوحدون الله سبحانه . القرآن يقول هنا : وأرسلناه إلى مائة الف أو يزيدون كانوا قد آمنوا بالله ،
--> 1 - تفسير نور الثقلين ، المجلد 4 ، الصفحة 436 ، الحديث 116 . 2 - نقل صاحب تفسير البرهان ، وفي المجلد 4 ، الصفحة 35 هذا الحديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) .