الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

408

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إننا لا نعلم كم أمضى يونس من الوقت في بطن الحوت ، فمن المسلم به أنه لا يمكن تجنب المؤثرات هناك مهما كانت الفترة الزمنية التي قضاها في بطن الحوت ، صحيح أن الأمر الإلهي كان قد صدر في أن لا يهضم يونس داخل بطن الحوت ، ولكن هذا لا يعني أن لا يتأثر بعض الشئ بمؤثرات ذلك السجن ، لذا فقد كتب بعض المفسرون أن يونس خرج من بطن الحوت وكأنه فرخ دجاجة ضعيف وهزيل جدا لا يمتلك القدرة على الحركة . مرة أخرى شمله اللطف الإلهي ، لأن جسمه كان مريضا ومتعبا ، وكل عضو من أعضاء جسمه كان مرهقا وعاجزا ، وكانت حرارة الشمس تؤذيه ، فيحتاج إلى ظل لطيف يظلل جسده . والقرآن هنا يكشف عن هذا اللطف الإلهي بالقول ، إننا أنبتنا عليه شجرة قرع ليستظل بأوراقها العريضة والرطبة وأنبتنا عليه شجرة من يقطين . ( اليقطين ) تعني - كما قال أصحاب اللغة والتفسير - كل نبات لا ساق له وله أوراق كبيرة ، مثل نبات البطيخ والقرع والخيار وما يشابهها . ولكن الكثير من المفسرين ورواة الحديث أعلنوا بأن المقصود من ( اليقطين ) هو ( القرع ) ، والذي يجب الالتفات إليه أن كلمة " الشجرة " في اللغة العربية تطلق على النباتات التي لها ساق وأغصان والتي ليس لها ساق وأغصان ، وبعبارة أخرى : تشمل كل الأشجار والنباتات ، ونقلوا حديثا لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قالوا فيه : إن شخصا سأل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنك تحب القرع ؟ فأجاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أجل هي شجرة أخي يونس " ( 1 ) . وقيل : إن أوراق شجرة القرع ، إضافة إلى أنها كانت كبيرة ورطبة جدا ويمكن الاستفادة منها كظل جيد ، فإن الذباب لا يتجمع حول هذه الأوراق ، ولهذا فإن يونس ( عليه السلام ) التصق بتلك الأوراق كي يرتاح من حرقة الشمس ومن الحشرات في

--> 1 - روح المعاني ، المجلد 7 ، الصفحة 489 .