الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

40

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إثارة للدهشة . فأين الثرى من الثريا . . أين ذلك التراب الميت الجامد من الإنسان الحي العاقل الفطن المبتكر ؟ ! وأين تلك النطفة الحقيرة التي تتكون من بضع قطرات من الماء المتعفن من ذلك الإنسان الراشد الجميل والمجهز بالحواس والأجهزة العضوية المختلفة ( 1 ) . بعد هذه المرحلة ، تأتي مرحلة تقسيم النوع البشري إلى جنسين " المذكر " و " المؤنث " بالفروقات الكثيرة في الجسم والروح ، والأمور الفسلجية التي تبدأ بالتحدد منذ اللحظات الأولى لانعقاد النطفة ، واتخاذ مسيرها الخاص والتكامل في كل جنس باتجاه الرسالة التي أنيطت به . ثم تظهر مسألة رسالة الام في قبول وتحمل ذلك الحمل وحفظه وتغذيته وتربيته والتي حيرت العلماء لقرون طويلة ، حتى اعترفوا بأنها من أعجب مسائل الوجود . وآخر مرحلة في هذا المسير هي مرحلة الولادة ، وهي مرحلة تحول كامل تقترن بعجائب كثيرة . فما هي العوامل التي تدفع الجنين إلى الخروج من بطن أمه ؟ كيف يتم التنسيق بين هذا الأمر وبين إعداد جسم الام لتحقق ذلك الأمر ؟ كيف يتمكن الجنين بعد تعوده على وضع ما لمدة تسعة أشهر ، أن يلبس وضعا جديدا ويطبق كل مفرداته الجديدة بلحظة واحدة ، ففي لحظة واحدة يقطع صلته بأمه ، ويتنفس الهواء الطلق ! يتناول طعامه من فمه بدلا من الحبل السري ! يخرج إلى محيط غارق في النور والإشراق بدلا من محيط بطن أمه المظلم ؟ ! أليست هذه أعظم الدلائل على قدرة الله وعلمه اللا محدودين ؟ وهل أن هذه المادة الجامدة الميتة وهذه الطبيعة غير الهادفة يمكنها أن تنظم

--> 1 - " نطفة " كما ذكرنا سابقا ، في الأصل بمعنى " الماء " أو بالأخص " الماء القليل الصافي " ثم أطلقت لهذا السبب على الماء القليل الذي هو مبدأ انعقاد الجنين .