الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
386
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مرة أخرى استخدم في هذه الآيات أسلوب ( الإجمال والتفصيل ) الأسلوب الذي استخدمه القرآن في نقل العديد من الحوادث . الآية الأولى تشير إلى قوله تعالى : ولقد مننا على موسى وهارون . " المنة " في الأصل من " المن " ويعني الحجر الذي يستعمل للوزن ، ثم أطلق على النعم الكبيرة والثقيلة ، فلو كانت لها جنبة عملية وموضوعية فالمنة جميلة ومحمودة ، ولو اقتصرت على اللفظ والكلام فهي سلبية ومذمومة ، والغالب إنها تستعمل في المحاورات العرفية بالمعنى الثاني ، وهذا هو السبب في تداعي المفهوم السلبي من هذه الآيات الكريمة ، ولكن لابد من القول إن هذه المفردة وردت في اللغة والآيات الكريمة بمعناها الواسع الذي يشمل المفهوم الأول منها . ( أي منع النعم والمواهب الكبيرة ) . وعلى كل حال فان الله سبحانه وتعالى أنعم على الأخوين موسى وهارون بنعمة عظيمة . أما الآيات التي تلتها فتشرح سبعة من هذه النعم ، وكل واحدة منها أفضل من أختها . ففي المرحلة الأولى ، يقول سبحانه وتعالى : ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم . فهل هناك قلق أكثر من هذا ، وهو أن بني إسرائيل يعيشون في قبضة الفراعنة المتجبرين الطغاة ؟ يذبحون أولادهم ويسخرون نساءهم في خدمتهم ، ويستعبدون رجالهم ويستعملونهم في الأعمال الشاقة . أليس فقدان الحرية والابتلاء بسلطان جائر لا يرحم الكبير ولا الصغير ، حتى يبلغ به طغيانه إلى أن يتلاعب بنواميس الناس وشرفهم ، أليس هذا كربا عظيما ، وألما شديدا ، إذن فإنقاذهم من قبضة فراعنة مصر المتجبرين ، كانت أول نعمة يغدقها الباري عز وجل على بني إسرائيل .