الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

366

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وأضحى غلاما . وهنا يقول القرآن : فلما بلغ معه السعي . يعني أنه وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع فيها السعي وبذل الجهد مع والده في مختلف أمور الحياة وإعانته على أموره . وقال البعض : بأن ( السعي ) هنا يعني العمل لله والعبادة ، وبالطبع فإن كلمة ( السعي ) لها مفاهيم ومعان واسعة تشمل هذا المعنى أيضا ، ولكنها لا يقتصر معناها عليه . و ( معه ) تدل على أنه كان يساعد والده في أمور الحياة . على كل حال ، فقد ذهب جمع من المفسرين : إن عمر إسماعيل كان ( 13 ) عاما حينما رأى إبراهيم ذلك المنام العجيب المحير ، والذي يدل على بدء امتحان عسير آخر لهذا النبي ذي الشأن العظيم ، إذ رأى في المنام أن الله يأمره بذبح ابنه الوحيد وقطع رأسه . فنهض من نومه مرعوبا ، لأنه يعلم أن ما يراه الأنبياء في نومهم هو حقيقة وليس من وساوس الشياطين ، وقد تكررت رؤيته هذه ليلتين أخريين ، فكان هذا بمثابة تأكيد على ضرورة تنفيذ هذا الأمر فورا . وقيل : إن أول رؤيا له كانت في ليلة التروية ، أي ليلة الثامن من شهر ذي الحجة ، كما شاهد نفس الرؤيا في ليلة عرفة ، وليلة عيد الأضحى ، وبهذا لم يبق عنده أدنى شك في أن هذا الأمر هو من الله سبحانه وتعالى . امتحان شاق آخر يمر على إبراهيم الآن ، إبراهيم الذي نجح في كافة الامتحانات الصعبة السابقة وخرج منها مرفوع الرأس ، الامتحان الذي يفرض عليه وضع عواطف الأبوة جانبا والامتثال لأوامر الله بذبح ابنه الذي كان ينتظره لفترة طويلة ، وهو الآن غلام يافع قوي . ولكن قبل كل شئ ، فكر إبراهيم ( عليه السلام ) في إعداد ابنه لهذا الأمر ، حيث قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى . الولد الذي كان نسخة طبق الأصل من والده ، والذي تعلم خلال فترة عمره القصيرة الصبر والثبات والإيمان في مدرسة والده ، رحب بالأمر الإلهي بصدر