الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

367

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

واسع وطيبة نفس ، وبصراحة واضحة قال لوالده : قال يا أبت افعل ما تؤمر . ولا تفكر في أمري ، فإنك ستجدني إن شاء الله من الصابرين . فما أعظم كلمات الأب والابن وكم تخفي في بواطنها من الأمور الدقيقة والمعاني العميقة ؟ ! فمن جهة ، الأب يصارح ولده البالغ من العمر ( 13 ) عاما بقضية الذبح ، ويطلب منه إعطاء رأيه فيها ، حيث جعله هنا شخصية مستقلة حرة الإرادة . فإبراهيم لم يقصد أبدا خداع ولده ، ودعوته إلى ساحة الامتحان العسير بصورة عمياء ، بل رغب بإشراكه في هذا الجهاد الكبير ضد النفس ، وجعله يستشعر حلاوة لذة التسليم لأمر الله والرضي به ، كما استشعر حلاوتها هو . ومن جهة أخرى ، عمد الابن إلى ترسيخ عزم وتصميم والده في تنفيذ ما أمر به ، إذ لم يقل له : اذبحني ، وإنما قال له : افعل ما أنت مأمور به ، فإنني مستسلم لهذا الأمر ، وخاصة أنه خاطب أباه بكلمة يا أبت كي يوضح أن هذه القضية لا تقلل من عاطفة الابن تجاه أبيه ولو بمقدار ذرة ، وأن أمر الله هو فوق كل شئ . ومن جهة ثالثة ، أظهر أدبا رفيعا اتجاه الله سبحانه وتعالى ، وأن لا يعتمد أحد على إيمانه وإرادته وتصميمه فقط ، وإنما يعتمد على إرادة ومشيئة الله ، وبعبارة أخرى : أن يطلب توفيق الاستعانة والاستقامة من الله . وبهذا الشكل يجتاز الأب وابنه المرحلة الأولى من هذا الامتحان الصعب بانتصار كامل . ماذا يدور في هذا الوسط ؟ القرآن الكريم لم يفصل مجريات الحدث ، وركز فقط على النقاط الحساسة في هذه القصة العجيبة . كتب البعض : إن إسماعيل ساعد والده في تنفيذ هذا الأمر الإلهي ، وعمل على تقليل ألم وحزن والدته . فعندما أخذه والده للذبح وسط الجبال الجرداء والحارقة في أرض ( منى ) قال