الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
362
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وقد زعم البعض أن هذه الآيات تدل على ما جاء في مذهب الجبر الفاسد ، وذلك عندما اعتبروا ( ما ) في عبارة ما تعملون ( ما ) المصدرية ، وقالوا : إن هذه الآية تعني أن الله خلقكم وأعمالكم ، وبما أن أعمالنا هي من خلق الله ، فإننا لا نمتلك الاختيار ، أي إننا مجبرون . هذا الكلام لا أساس له من الصحة لعدة أسباب : أولا : كما قلنا فإن المراد من ما تعملون هنا ، هي الأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم ، وليست أعمال الإنسان ، ومن دون أي شك فإنهم كانوا يأخذون المواد من هذه الأرض التي خلقها الله ، وينحتونها بالشكل الذي يروق لهم ، ولهذا فإن ( ما ) هنا هي ( ما ) الموصولة . ثانيا : إذا كان مفهوم الآية كما تصور أولئك ، فإنها تكون دليلا لصالح عبدة الأصنام ، وليس ضدهم ، لأنهم يستطيعون القول : صناعة الأصنام وعبادتها إنما هو من خلق الله ، ونحن في هذه الحالة لسنا بمذنبين . وثالثا : على فرض أن معنى الآية هو هكذا ، فليس هناك دليل على الجبر ، لأنه مع الحرية والإرادة والاختيار فإن الله هو خالق أعمالنا ، لأن هذه الحرية والإرادة والقدرة على التصميم وكذلك القوى البدنية والفكرية المادية والمعنوية لم يعطها غير الله ؟ إذا فالخالق هو ، مع أن الفعل هو باختيارنا نحن . 3 2 - هجرة إبراهيم ( عليه السلام ) : الكثير من الأنبياء هاجروا خلال فترة حياتهم من أجل أداء رسالتهم ، ومنهم إبراهيم الذي استعرضت آيات مختلفة في القرآن المجيد قضية هجرته ، ومنها ما جاء في سورة العنكبوت الآية ( 26 ) وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم . في الحقيقة ، إن أولياء الله عندما كانوا يتمون مهام رسالتهم في إحدى المناطق ،