الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
363
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أو أنهم كانوا يحسون بأن المجتمع لا يتقبل رسالتهم ، كانوا يهاجرون كي لا تتوقف رسالتهم . وهذه الهجرة كانت مصدر بركات كثيرة على طول تاريخ الأديان ، حتى أن تاريخ الإسلام من الناحيتين الظاهرية والمعنوية يدور حول محور هجرة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولولا الهجرة لكان الإسلام قد غرق - وإلى الأبد - في مستنقع عبدة الأصنام في مكة . فالهجرة هي التي أعطت روحا جديدة للإسلام والمسلمين ، وغيرت كل شئ لصالحهم ، وخطت للبشرية طريقا جديدا للسير عليه . وبعبارة واحدة : فالهجرة برنامج عام لكل مؤمن عندما يشعر في وقت من الأوقات أن الجو الذي يعيش فيه غير متناسب مع أهدافه المقدسة ، ويبدو كأنه مستنقع عفن يفسد كل ما فيه ، فتكليفه الهجرة ، وعليه أن يحزم حقائب السفر ، وينتقل إلى مناطق أفضل ، فأرض الله واسعة . والهجرة قبل أن تكون ذات طابع ذاتي خارجي ، فهي ذات طابع ذاتي داخلي ، ففي بداية الأمر يجب على القلب والروح هجر الفساد إلى الطهارة ، وهجر الشرك إلى الإيمان ، وهجر المعاصي إلى طاعة الله العظيم . فالهجرة الداخلية هي بداية تغير الفرد والمجتمع ، ومقدمة للهجرة الخارجية ، وقد بحث هذا الموضوع بصورة مفصلة في هذا التفسير وفي موضوع يتحدث عن الإسلام والهجرة ، وذلك بعد الآية ( 100 ) في سورة النساء . * * *