الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

354

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يسأل آخر : هل تناولت الطعام ، فيجيبه : نعم . فالسائل يفهم من الكلام أنه تناول الطعام اليوم ، في حين أن قصد المجيب هو أنه تناول الطعام يوم أمس . مسألة هل أن التورية كذب أم لا ؟ مطروحة في الكتب الفقهية ، فمجموعة من كبار العلماء ومنهم الشيخ الأنصاري رضوان الله عليه يعتقدون أن التورية ليست كذبا ، فلا العرف ولا الروايات تعدها كذبا ، وإنما وردت بشأنها روايات تنفي عنها صفة الكذب ، إذ قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " الرجل يستأذن عليه فيقول للجارية قولي ليس هو هاهنا . فقال ( عليه السلام ) : لا بأس ليس بكذب " ( 1 ) . والحق هو لزوم القول بالتفصيل ، ولابد من وضع ضابطة كلية : فإذا كان للفظ في اللغة والعرف معنيان ، والمخاطب تصور معنى خاصا من تلك الكلمة ، في حين أن المتحدث يقصد معنى آخر ، مثل هذا يعد تورية وليس بكذب ، حيث يستخدم لفظ مشترك المعاني يفهم منه المخاطب شيئا ، في حين أن المتحدث يقصد منه معنى آخر . وعلى سبيل المثال ، جاء في شرح حال " سعيد بن جبير " ، أن الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي سأل سعيد بالقول : ما هو تقييمك لي ، فأجابه سعيد : إنك ( عادل ) ، ففرح جلاوزة الحجاج ، في حين قال الحجاج : إنه بكلامه هذا كفرني ، لأن أحد معاني ( العادل ) هو العدول من الحق إلى الباطل . أما إذا كان للفظ معنى لغوي وعرفي واحد من حيث المفهوم ، والمتحدث يترك المعنى الحقيقي ويستخدمه كمعنى مجازي من دون أن يذكر قرائن المجاز ، فمثل هذه التورية - من دون أي شك - حرام ، ولربما تمكنا بهذا التفصيل الجمع بين آراء مختلف الفقهاء . ولكن ، يجب الانتباه إلى أنه في بعض الأحيان حتى في الموارد التي لا تكون فيها التورية مصداقا للكذب ، تكون للتورية أحيانا مفاسد ومضار وإيقاع الناس

--> 1 - وسائل الشيعة ، المجلد 8 ، الصفحة 580 ، ( الباب 141 في أبواب العشرة الحديث 8 ) .