الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
320
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ومتلألئة وتعطي لذة للشاربين بها بيضاء لذة للشاربين . وكلمة ( بيضاء ) إعتبرها بعض المفسرين صفة لكؤوس الشراب ، فيما إعتبرها البعض الآخر صفة للشراب الطهور ، ويعني أن ذلك الشراب ليس كالأشربة الملونة في الدنيا ، بل إنها أشربة طاهرة ، خالية من الألوان الشيطانية ، وبيضاء اللون شفافة . وبالطبع فإن المعنى الثاني أنسب لجملة لذة للشاربين . الآية السابقة التي تطرقت إلى الشراب والكؤوس ربما تجلب إلى الأذهان مفاهيم أخرى ، أما الآية التي تليها فتطرد في جملة قصيرة كافة تلك المفاهيم عن الأذهان لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون . أي أن ذلك الخمر هو شراب طاهر لا يفسد العقل ، ولا يؤدي إلى السكر والغفلة ، وإنما يؤدي إلى اليقظة والنشاط وفيه متعة للروح . وكلمة ( غول ) على وزن ( قول ) تعني الفساد الذي ينفذ إلى الشئ بصورة غير محسوسة ، ولهذا يقال في الأدب العربي لعمليات القتل التي تتم بصورة سرية أو خفية بأنه ( قتل غيلة ) . وكلمة ( ينزفون ) من مادة ( نزف ) على وزن ( حذف ) وتعني فقدان الشئ تدريجيا ، وعندما تستخدم هذه الكلمة بشأن آبار المياه ، فإنها تعطي معنى استخراج الماء من البئر تدريجيا حتى ينضب ، ويقال " نزيف الدم " وهو خروج الدم من الجسد تدريجيا حتى ينتهي تماما . على أية حال ، فإن المقصود في هذه الآية ذهاب العقل تدريجيا والوصول إلى حالة السكرة ، أما خمر الجنة الطاهر فإنه لا يسكر على الإطلاق ، إذ لا يذهب بالعقل ولا يسبب أي مضار . هاتان العبارتان تتطرقان في آن واحد - بصورة ضمنية ودقيقة - إلى الشراب في عالم الدنيا والذي ينفذ إلى حياة الإنسان بصورة تدريجية وسرية ، ويوجد عنده حالات الفساد والضياع ، حيث أنها لا تؤدي بعقل الإنسان وأعصابه إلى