الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
265
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بلوغ تلك المرتبة يهجم الموت وينتهي العمر . . نسعى مدة لتحصيل العلم والمعرفة ، وحينما نبلغ درجة منه بعد اشتعال الرأس شيبا يستقبلنا الموت . ثم لأجل ماذا نعيش ؟ الأكل واللبس والنوم والاستيقاظ المتكرر يوميا ، واستمرار هذا البرنامج المتعب لعشرات السنين ، لماذا ؟ فهل حقا إن هذه السماء المترامية الأطراف وهذه الأرض الواسعة ، وكل هذه المقدمات والمؤخرات وكل هؤلاء الأساتذة والمعلمين والمربين وكل هذه المكتبات الضخمة وكل هذه الأمور الدقيقة والأعمال التي تداخلت في خلقنا وخلق باقي الموجودات ، كل ذلك لمجرد الأكل والشرب واللبس والحياة المادية هذه ؟ هنا يعترف الذين لا يعتقدون بالمعاد بتفاهة هذه الحياة ، ويقدم بعضهم على الانتحار للتخلص من هذه الحياة الخاوية ، بل قد يفتخر به . وكيف يمكن لمن يؤمن بالله وبحكمته المتعالية أن يعتبر هذه الحياة الدنيا وحدها بدون ارتباطها بحياة أخرى ذات قيمة وذات شأن ؟ يقول تعالى : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون . ( 1 ) أي أنه لو لم يكن رجوع بعد هذه الدنيا إلى الله ، فإن الحياة في هذه الدنيا ليست سوى عبث في عبث . نعم فإن الحياة في هذه الدنيا تجد معناها ويكون لها مفهوما ينسجم مع حكمة الله سبحانه وتعالى عندما تعتبر هذه : " الدنيا مزرعة للآخرة " و " الدنيا قنطرة " ومكان تعلم ، وجامعة للاستعداد للعالم الآخر ومتجر لذلك العالم ، تماما كما يقول أمير المؤمنين علي ( عليه الصلاة والسلام ) في كلماته العميقة المعنى " إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عاقبة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ، ودار موعظة لمن اتعظ بها ، مسجد أحباء الله ، ومصلى ملائكة الله ، ومهبط وحي الله ،
--> 1 - المؤمنون ، 115 .