الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
260
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إن السعي لإبقاء أجسام الموتى عن طريق التحنيط ، وبناء المقابر الخالدة كأهرام مصر ، والجري وراء ما يسمى بماء الحياة ودواء الشباب وما يطيل العمر ، كل ذلك دليل على عشق الإنسان لمفهوم البقاء . فإذا كنا قد خلقنا للفناء فما معنى حب البقاء سوى أنها علاقة شاغلة بلا جدوى ولا فائدة . لا تنسوا أننا نتابع البحث في مسألة المعاد بعد الاتفاق على الاعتقاد بوجود الله الحكيم العالم ، ونحن نعتقد بأن كل ما خلقه الله سبحانه وتعالى في وجودنا إنما هو وفقا لحساب وغرض ، وبناءا عليه فإن عشق البقاء لابد أن يكون له حساب خاص ، منسجم مع الخلق والعالم بعد الدنيا . وبتعبير آخر : فلو أن نظام الخلق أوجد فينا عطشا . فإن ذلك دليل على أن للماء وجودا في العالم الخارجي ، كذلك فإن وجود الغريزة الجنسية والميل إلى الجنس الآخر يدلل على وجود الجنس الآخر في العالم الخارجي ، وإلا فإن الانجذاب بدون أن يكون له مدلول وموضوع خارجي لا يتفق مع حكمة الخلق . ومن جهة أخرى فعندما نبحث في التأريخ البشري منذ أيام نشأة ذلك التأريخ فإننا نجد دلائل كثيرة على الاعتقاد الراسخ لدى الإنسان بالحياة بعد الموت . فالآثار التي وصلت إلينا من البشر الغابرين - وحتى إنسان ما قبل التأريخ - وبالأخص طريقة دفن الموتى ، وكيفية بناء القبور ، وحتى دفن الأشياء المختلفة مع الموتى ، كلها دليل على ما ترسخ في وجدانهم من الاعتقاد بالحياة بعد الموت . " صاموئيل كنيك " أحد علماء النفس المعروفين يقول : " إن التحقيقات الدقيقة تشير إلى أن المجموعات البشرية الأولى على سطح الأرض ، كانت لهم اعتقادات معينة ، لأنهم كانوا يلحدون موتاهم بطريقة معينة في الأرض ، ويضعون معهم وسائل وآلات أعمالهم التي كانوا يمارسونها قبل الموت إلى جانبهم ، وبهذه