الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

246

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وإرادة ، ونعلم بأن أهم مسألة في حياة الإنسان هي التكلم والحديث الذي يهيأ محتواه مسبقا في الذهن ، ثم يصب في قالب من العبارات ويطلق باتجاه الهدف كالرصاص المنطلق من فوهة البندقية ، وهذا العمل لا يمكن حدوثه في أي كائن حي عدا الإنسان . وبذلك فإن الله سبحانه وتعالى يجسد قدرته في إعطاء هذا الماء المهين هذه القوة العظيمة . . هذا من جانب . ومن جانب آخر فإن الإنسان مخلوق مغرور وكثير النسيان ، فهو يستغل كل هذه النعم التي أولاها إياه ولي نعمته ضده في المجادلة والمخاصمة ، فيا له من مغفل أحمق ! ! ويكفي لمعرفة مدى غفلته وحمقه أنه جاء : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ( 1 ) . المقصود من ضرب المثل هنا ، نفس المعنى بدون التشبيه والكناية . فالمقصود هو الاستدلال وذكر مصداق لإثبات مطلب معين . نعم فإن ( أبي بن خلف أو أمية بن خلف . أو العاص بن وائل ) كان قد وجد قطعة متفسخة من عظم لم يكن معلوما لمن ؟ وهل مات موتا طبيعيا ؟ أو في واحدة من حروب العصر الجاهلي المهولة ؟ أو مات جوعا ؟ وظن أنه وجد فيه دليلا قويا لنفي المعاد ! فحمل تلك القطعة من العظم وذهب حانقا وفرحا في نفس الوقت وهو يقول : لأخصمن محمدا . فذهب إلى الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو في عجلة من أمره ليقول له : قل لي من ذا الذي يستطيع أن يلبس هذا العظم البالي لباس الحياة من جديد ؟ وفت بيده قسما من العظم وذره على الأرض ، وأعتقد بأن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سيتحير في الجواب ولا يملك ردا ! !

--> 1 - " رميم " من مادة ( رم ) وهو إصلاح الشئ البالي ، و " الرمة " تختص بالعظم البالي ، و " الرمة " تختص بالحبل البالي ، ( مفردات الراغب مادة ( رم ) صفحة 203 ) .