الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
247
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والجميل أن القرآن الكريم أجابه بجملة وجيزة مقتضبة وهي قوله تعالى : ونسي خلقه . وإن كان قد أردف مضيفا توضيحا أكثر . فكأنه يقول : لو لم تنس بدء خلقك لما استدللت بهذا الاستدلال الواهي الفارغ أبدا . أيها الإنسان الكثير النسيان ، عد قليلا إلى الوراء وانظر في خلقك ، كيف كنت نطفة تافهة وكل يوم أنت في لبس جديد من مراحل الحياة ، فأنت في حال موت وبعث مستمرين ، فمن جماد أصبحت رجلا بالغا ، وبكمية من عالم النبات الجامد ، ومن عالم الحيوان الميت أيضا أصبحت إنسانا ، ولكنك نسيت كل ذلك وصرت تسأل : من يحيي العظام وهي رميم ؟ ألم تكن أنت في البدء ترابا كما هو حال هذه العظام بعد تفسخها ؟ ! لذا فإن الله سبحانه وتعالى يأمر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأن يقول لهذا المغرور الأحمق الناسي قل يحييها الذي أنشأها أول مرة . فإذا كان بين يديك اليوم بقية من العظام المتفسخة تذكرك به ، فقد مر يوم لم تكن فيه شيئا ولا حتى ترابا ، نعم ، أفليس سهلا على من خلقك من العدم أن يعيد الحياة إلى العظام المهترئة ؟ ! وإذا كنت تعتقد بأن هذه العظام بعد تفسخها تصبح ترابا وتنتشر في الأصقاع ، فمن يستطيع عند ذلك أن يجمع تلك الأجزاء المبعثرة من نقاط انتشارها ؟ فإن الجواب على ذلك أيضا واضح : وهو بكل خلق عليم . فمن كان له مثل هذا ( العلم ) وهذه ( القدرة ) فإن مسألة المعاد وإحياء الموتى لا تشكل بالنسبة إليه أية مشكلة . فنحن نستطيع بقطعة من " المغناطيس " جمع برادة الحديد المبثوثة في كمية من التراب وفي لحظات ، والله العالم القادر يستطيع كذلك بأمر واحد أن يجمع ذرات بدن الإنسان من كل موضع كانت فيه من الكرة الأرضية . فهو العالم ليس بخلق الإنسان فقط ، بل هو العالم بنواياه وأعماله أيضا ،