الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

224

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فقد بعث إليكم الأنبياء واحدا بعد واحد ، وحذروكم من مثل هذا اليوم ومن مثل هذه النار ، ولكنكم لم تأخذوا أقوالهم إلا على محمل السخرية والاستهزاء اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ( 1 ) . ثم يشير تعالى إلى شهود يوم القيامة . . . الشهود الذين هم جزء من جسد الإنسان ، حيث لا مجال لإنكار شهادتهم ، فيقول تعالى : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون . نعم ففي ذلك اليوم لا تكون أعضاء الإنسان طوع إرادته وميوله ، فهي بأجمعها تتخلى عن امتثال أمره وتستسلم لأمر الله سبحانه ، ويا لها من محكمة عجيبة تلك المحكمة التي شهودها نفس أعضاء الإنسان . تلك الأعضاء التي كانت الوسائل لارتكاب المعاصي والذنوب . ويحتمل أن تكون شهادة الأعضاء ، بسبب أن المجرمين حينما يرون بأنهم سيصلون جهنم جزاء أعمالهم ، يميلون إلى إنكار ما ارتكبوا ظنا منهم أنه يمكن الإفلات بإخفاء الحقائق والإنكار ، إلا أن الأعضاء تبدأ هنا بالشهادة ، الأمر الذي يثير عجب أولئك المجرمين ووحشتهم ويغلق عليهم جميع طرق الفرار والخلاص . أما عن كيفية نطق تلك الأعضاء ، فثمة تفسيرات واحتمالات عديدة : 1 - ان الله سبحانه وتعالى يجعل في كل واحد من تلك الأعضاء القدرة على التكلم والشعور ، وهي تقوم بنقل الحقيقة بصدق ، وما هو العجب في ذلك ؟ فمن جعل في قطعة من اللحم المسماة " لسان " أو " مخ الإنسان " القدرة على النطق ، يستطيع أن يجعل هذه القدرة في سائر أعضاء البدن أيضا . 2 - أن تلك الأعضاء لا تعطى الإدراك والشعور ، ولكن الله سبحانه وتعالى ينطقها ، وفي الحقيقة فإن تلك الأعضاء ستكون محلا لظهور الكلام ، وانكشاف

--> 1 - " أصلوها " من ( صلا ) أصل الصلي إيقاد النار ، ويقال صلي بالنار وبكذا ، أي بلي بها واصطلى بها .