الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

208

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أما فيم كانوا يختصمون ؟ لم تذكر الآية ذلك ، ولكن من الواضح أن المقصود هو التخاصم على أمر الدنيا والأمور المعيشية الأخرى ، ولكن البعض يرى : إنه تخاصم في أمر " المعاد " ، والمعنى الأول أنسب على ما يبدو ، وإن كان اعتبار شمول الآية لكلا المعنيين ، وأي نوع من النزاع والخصومة ليس ببعيد . ومن الجدير بالملاحظة أن الضمائر المتعددة في الآية جميعها تعود على مشركي مكة الذين كانوا يشككون في أمر المعاد ، ويستهزئون بذلك بقولهم : متى تقوم الساعة ؟ ولكن المسلم به أن الآية لا تقصد أشخاص هؤلاء ، بل نوعهم " نوع البشر الغافلين عن أمر المعاد " لأنهم ماتوا ولم يسمعوا تلك الصيحة السماوية أبدا " تأمل بدقة " ! ! على كل حال ، فإن القرآن بهذا التعبير القصير والحازم إنما أراد تنبيههم إلى أن القيامة ستأتي وبشكل غير متوقع ، وهذا أولا . وأما ثانيا فإن قيام الساعة ليس بالموضوع المعقد بحيث يختصمون ويتنازعون فيه ، فبمجرد صيحة واحدة ينتهي كل شئ وتنتهي الدنيا بأسرها . لذا فهو تعالى يضيف في الآية التالية قائلا : فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون . في العادة فإن الإنسان حينما تلم به حادثة ويحس بعدها بقرب أجله ، يحاول جاهدا أن يوصل نفسه إلى أهله ومنزله ويستقر بين عياله ، ثم يقوم بإنجاز بعض الأمور المعلقة ، ويعهد بأبنائه أو متعلقيه إلى من يثق به عن طريق الوصية أو غير ذلك . ويوصي بإنجاز بعض الأمور الأخرى . ولكن هل تترك الصيحة السماوية فرصة لأحد ؟ ولو سنحت الفرصة فرضا فهل بقي أحد حيا ليستمع الوصية ؟ أو يجتمع الأولاد مع أمهم على سرير الأب - مثلا - ويحتضنونه ويحتضنهم لكي يسلم الروح بطمأنينة ؟ لا أبدا ، فلا إمكان لأي من هذه