الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
209
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الأمور . وما نلاحظه من تنكير التوصية في التعبير القرآني هنا إنما هو إشارة إلى أن الفرصة لا تسنح حتى لوصية صغيرة أيضا . ثم تشير الآيات إلى مرحلة أخرى ، مرحلة الحياة بعد الموت . فتقول : ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون . التراب والعظام الرميم تلبس الحياة من جديد ، وتنتفض من القبر بشرا سويا ، ليحضر المحاكمة والحساب في تلك المحكمة العظيمة المهولة ، وكما أنهم ماتوا جميعا بصيحة واحدة ، فبنفخة واحدة يبعثون أحياء من جديد ، فلا هلاكهم يشكل عقبة أمام قدرة الله سبحانه وتعالى ، ولا حياتهم كذلك ، تماما كما هو الحال في جمع الجنود في الجيوش ، بنفخة بوق واحدة ينهضون جميعا من فرشهم ويخرجون من خيمهم ، ويقفون في صف واحد ، وإحياء الموتى وبعثهم بالنسبة إلى الله سبحانه بهذه البساطة والسرعة . " أجداث " جمع " جدث " وهو القبر ، والتعبير يشير بوضوح إلى أن للمعاد جنبة جسمانية بالإضافة إلى الجنبة الروحية ، وأن الجسد يعاد بناؤه جديدا من نفس المواد السابقة . واستخدم صيغة الماضي في الفعل " نفخ " إشارة إلى عدم وجود أدنى شك في وقوع مثل هذا الأمر ، وكأنه لثباته وحتميته قد وقع فعلا . " ينسلون " من مادة " نسل " والنسل الانفصال عن الشئ - كما يقول الراغب في المفردات ويضيف - يقال : نسل الوبر عن البعير والقميص عن الإنسان ، و . . ومنه نسل إذا عدا ، والنسل الولد لكونه ناسلا عن أبيه . وقوله تعالى : ربهم كأنها تلميح إلى أن ربوبية ومالكية وتربية الله كلها توجب أن يكون هناك حساب وكتاب ومعاد . وعلى كل حال ، فإنه يستفاد من الآيات القرآنية أن نهاية هذا العالم وبداية