الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
207
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
تقول الآية الكريمة الأولى : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين . فإذا لم تستطيعوا تشخيص زمان دقيق لقيام الساعة ، فمعنى هذا أنكم لستم صادقين في حديثكم . الآية التالية ترد على هذا التساؤل المقرون بالسخرية بجواب قاطع حازم ، وتخبرهم بأن قيام الساعة ليس بالأمر المعقد أو المشكل بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى : ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون . فكل ما يقع هو صيحة سماوية كافية لأن تقبض فيها أرواح جميع المتبقين من الناس على سطح الأرض بلحظة واحدة وهم على حالهم ، وتنتهي هذه الحياة المليئة بالصخب والدعاوى والمعارك والحروب ، ليتخلف وراءها صمت مطبق ، وتخلو الأرض من أي صوت أو إزعاج . وفي حديث عن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال : " تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فما يطويانه حتى تقوم ، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم ، والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم " ( 1 ) . جملة " ما ينظرون " هنا بمعنى " ما ينتظرون " ، فكما يقول ( الراغب ) في مفرداته " النظر تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشئ ورؤيته ، وقد يراد به التأمل والفحص ، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص ، وهو الروية ، والنظر الانتظار " . " صيحة " صاح : رفع الصوت ، وأصله تشقيق الصوت من قولهم انصاح الخشب أو الثوب إذا انشق فسمع منه صوت ، وصيح الثوب كذلك ، ويقال : بأرض فلان شجر قد صاح ، إذا طال فتبين للناظر لطوله ، ودل على نفسه بصوته . " يخصمون " من مادة " خصم " بمعنى النزاع .
--> 1 - مجمع البيان ، ج 4 ، ص 427 . وذكرت هذه الرواية بتفاوت قليل في تفسير " القرطبي " و " روح المعاني " وغيرهما .