الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
198
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لذا فإن الآيات الكريمة تقول أولا : وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون . الضمير " لهم " لا يعود فقط على مشركي مكة ، بل على جميع العباد الذين أشارت لهم الآيات السابقة . " ذرية " : كما يقول الراغب في مفرداته ، أصلها الصغار من الأولاد ، وإن كان يقع على الصغار والكبار معا عرفا ، ويستعمل للواحد والجمع . وما تذكره الآية من حمل ذرياتهم وليس هم ربما لأن الأولاد هم أكثر حاجة لركوب مثل ذلك المركب السريع ، بلحاظ أن الكبار أكثر استعدادا للسير على سواحل البحار وطي الطريق من هناك ! ! فضلا عن أن هذا التعبير أنسب لتحريك عواطفهم . " مشحون " أي مملوء ، إشارة إلى أن السفن لا تحملهم هم فقط ، بل أموالهم وتجارتهم وأمتعتهم وما أهمهم أيضا . وما قاله البعض من أن " الفلك " إشارة إلى سفينة نوح ، و " ذرية " بمعنى الآباء من مادة " ذرأ " بمعنى خلق ، فيبدو بعيدا ، إلا إذا كان من قبيل ذكر المصداق البارز . على كل حال فإن حركة السفن والبواخر التي هي من أهم وأضخم وسائل الحمل والنقل البشري ، وما يمكنها إنجازه يعادل آلاف الأضعاف لما تستطيعه المركبات الأخرى ، كل ذلك ناجم عن خصائص الماء ووزن الأجسام التي تصنع منها السفن ، والطاقة التي تحركها ، سواء كانت الريح أو البخار أو الطاقة النووية . وكل هذه القوى والطاقات التي سخرها الله للإنسان ، كل واحدة منها وكلها معا آية من آيات الله سبحانه وتعالى . ولكي لا يتوهم أن المركب الذي أعطاه الله للإنسان هو السفينة فقط ، تضيف الآية التالية قائلة : وخلقنا لهم من مثله ما يركبون . المراكب التي تسير على الأرض ، أو في الهواء وتحمل البشر وأثقالهم .