الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

157

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الحق والتصديق به ، على عكس ساكني مراكز المدن الذين يعيشون حياة مرفهة تجعل من الصعب قبولهم لدعوة الحق . التعبير ب‍ " يا قوم " يوضح حرقة هذا الرجل وتألمه على أهل مدينته ، ودعوته إياهم إلى اتباع الرسل ، تلك الدعوة التي لم تكن لتحقق له أي نفع شخصي . والآن لننظر إلى هذا الرجل المجاهد ، بأي منطق وبأي دليل خاطب أهل مدينته ؟ فقد أشار أولا إلى هذه القضية اتبعوا من لا يسألكم أجرا . فتلك القضية بحد ذاتها الدليل الأول على صدق هؤلاء الرسل ، فهم لا يكسبون من دعوتهم تلك أية منفعة مادية شخصية ، ولا يريدون منكم مالا ولا جاها ولا مقاما ، وحتى أنهم لا يريدون منكم أن تشكروهم . والخلاصة : لا يريدون منكم أجرا ولا أي شئ آخر . وهذا ما أكدت عليه الآيات القرآنية مرارا فيما يخص الأنبياء العظام ، كدليل على إخلاصهم وصفاء قلوبهم ، وفي سورة الشعراء وحدها تكررت هذه الجملة خمس مرات وما أسألكم عليه من أجر ( 1 ) . ثم يضيف : إن هؤلاء الرسل كما يظهر من محتوى دعوتهم وكلامهم انهم أشخاص مهتدون : وهم مهتدون إشارة إلى أن عدم الاستجابة لدعوة ما إنما يكون لأحد سببين : إما لأن تلك الدعوة باطلة وتؤدي إلى الضلال والضياع ، أو لأنها حق ولكن الدعاة لها يكتسبون من تلك الدعوة منافع شخصية لهم مما يؤدي إلى تشويه النظرة إلى تلك الدعوة ، ولكن حينما لا يكون هذا ولا ذاك فما معنى التردد والتباطئ عن الاستجابة . ثم ينتقل إلى ذكر دليل آخر على التوحيد الذي يعتبر عماد دعوة هؤلاء الرسل ، فيقول : وما لي لا أعبد الذي فطرني .

--> 1 - الآيات : 109 - 127 - 145 - 164 - 180 .