الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

158

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فإن من هو أهل لأن يعبد هو الخالق والمالك والوهاب ، وليس الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ، الفطرة السليمة تقول : يجب أن تعبدوا الخالق لا تلك المخلوقات التافهة . والتأكيد على " فطرني " لعله إشارة إلى هذا المعنى أيضا وهو : إنني حينما أرجع إلى الفطرة الأصيلة في نفسي الاحظ بوضوح أن هناك صوتا يدعوني إلى عبادة خالقي ، دعوة تنسجم مع العقل ، فكيف أغض الطرف إذا عن دعوة تؤيدها فطرتي وعقلي ؟ ! والملفت للنظر أنه لا يقول : وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ؟ بل يقول : وما لي لا أعبد الذي فطرني لكي يكون بشروعه بالحديث عن نفسه أكثر تأثيرا في النفوس وبعد ذلك ينبه إلى أن المرجع والمآل إلى الله سبحانه فيقول : وإليه ترجعون . أي : لا تتصوروا أن الله له الأثر والفاعلية في حياتكم الدنيا فقط ، بل إن مصيركم في العالم الآخر إليه أيضا ، فتوجهوا إلى من يملك مصيركم في الدارين . وفي ثالث استدلال له ينتقل إلى الحديث عن الأصنام وإثبات العبودية لله بنفي العبودية للأصنام ، فيكمل قائلا : أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون . هنا أيضا يتحدث عن نفسه حتى لا يظهر من حديثه أنه يقصد الإمرة والاستعلاء عليهم ، وفي الحقيقة هو يحدد الذريعة الأساس لعبدة الأوثان حينما يقولون : نحن نعبد الأصنام لكي تكون شفيعا لنا أمام الله ، فكأنه يقول : أية شفاعة ؟ وأي معونة ونجاة تريدون منها ؟ فهي بذاتها محتاجة إلى مساعدتكم وحمايتكم ، فماذا يمكنها أن تفعل لكم في الشدائد والملمات ؟ التعبير ب‍ " الرحمن " هنا علاوة على أنه إشارة إلى سعة رحمة الله وأنه سبب لكل النعم والمواهب ، وذلك بحد ذاته دليل على توحيد العبادة ، فإنه يوضح أن الله