الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
38
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
عواطفهما القوية ، قل ما يهملوا أولادهما بيد النسيان ، في حين يلاحظ بكثرة أن الأولاد ينسون الأبوين ، وخاصة عند الكبر والعجز ، وتعتبر هذه آلم وأشد حالة لهما ، وأسوأ صور كفران النعمة بالنسبة للأولاد ( 1 ) . إن الوصية بالإحسان إلى الأبوين قد توجد الاشتباه والوهم عند البعض وذلك حينما يظن أنه يجب مداراتهما واتباعهما حتى في مسألة العقيدة والكفر والإيمان ، لكن الآية التالية تقول : وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما فيجب أن لا تكون علاقة الإنسان بأمه وأبيه مقدمة على علاقته بالله مطلقا ، وأن لا تكون عواطف القرابة حاكمة على عقيدته الدينية أبدا . جملة جاهداك إشارة إلى أن الأبوين قد يظنان أحيانا أنهما يريدان سعادة الولد ، ويسعيان إلى جره إلى عقيدتهما المنحرفة والإيمان بها ، وهذا يلاحظ لدى كل الآباء والأمهات . إن واجب الأولاد أن لا يستسلموا أبدا أمام هذه الضغوط ، ويجب أن يحافظوا على استقلالهم الفكري ، ولا يساوموا على عقيدة التوحيد ، أو يبدلوها بأي شئ . ثم إن جملة ما ليس لك به علم تشير ضمنا إلى أننا لو نتجاهل أدلة بطلان الشرك ، ولم نقم لها وزنا ، فإنه لا يوجد دليل على إثباته ، ولا يستطيع أي متعنت إثبات الشرك بالدليل . وإذا تجاوزنا ذلك ، فإن الشرك إن كانت له حقيقة ، فينبغي أن يكون هناك دليل على إثباته ، ولما لم يكن هناك دليل على إثباته ، فإن هذا بنفسه دليل على بطلانه . ولما كان من الممكن أيضا أن يوجد هذا الأمر توهم وجوب استخدام الخشونة مع الوالدين المشركين وعدم احترامهما ، ولذلك أضافت الآية أن عدم طاعتهما في مسألة الشرك ليس دليلا على وجوب قطع العلاقة معهما ، بل تأمره الآية أن
--> 1 - تفسير في ظلال القرآن ، الجزء 6 ، ص 484 .