الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

37

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

موضع آخر من القرآن : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ( 1 ) ، والمراد فترة الرضاعة الكاملة ، وإن كانت تتم أحيانا بفترة أقل . وعلى كل حال ، فإن الام في هذه ال‍ ( 33 ) شهرا - فترة الحمل ، وفترة الرضاع - تبدي وتقدم أعظم تضحية لولدها ، سواء كان من الجانب الروحي والعاطفي ، أو الجسمي ، أو من جهة الخدمات والرعاية . والملفت للنظر هنا أنها توصي في البداية بالوالدين معا ، إلا أنها عند بيان المشاق والمتاعب تؤكد على متاعب الام ، لتنبه الإنسان إلى إيثارها وتضحياتها وحقها العظيم . ثم تقول : أن اشكر لي ولوالديك فاشكرني لأني خالقك والمنعم الأصلي عليك ، ومنحتك مثل هذين الأبوين العطوفين الرحيمين ، واشكر والديك لأنهما واسطة هذا الفيض وقد تحملا مسؤولية إيصال نعمي إليك . فما أجمل أن يجعل شكر الوالدين قرين شكر الله ! وما أعمق مغزاه ! ويقول الله تعالى في نهاية الآية بنبرة لا تخلو من التهديد والعتاب : إلي المصير . نعم ، فإنك إذا قصرت هنا فستحاسب على كل هذه الحقوق والمصاعب والخدمات بدقة فيجب على الإنسان أن يؤدي ما عليه من شكر مواهب الله . وكذلك شكر نعمة وجود الأبوين وعواطفهما الصادقة الطاهرة لينجح في ذلك الحساب وتلك المحكمة . وفي هذا المجال التفت بعض المفسرين إلى مسألة لطيفة ، وهي أنه قد ورد التأكيد على رعاية حقوق الأبوين مرارا في القرآن المجيد ، إلا أن التوصية بالأولاد تلاحظ قليلا - ما عدا مورد النهي عن قتل الأولاد ، والتي كانت عادة مشؤومة قبيحة واستثنائية في عصر الجاهلية - وذلك لأن الوالدين ، وبحكم

--> 1 - البقرة ، 233 .