الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

36

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ظلم عظيم ، وقد أحيط بالتأكيد من عدة جهات ( 1 ) . وأي ظلم أعظم منه ، حيث جعلوا موجودات لا قيمة لها في مصاف الله ودرجته ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر يجرون الناس إلى الضلال والانحراف ، ويظلمونهم بجناياتهم وجرائمهم ، وهم يظلمون أنفسهم أيضا حيث ينزلونها من قمة عزة العبودية لله ويهوون بها إلى منحدر ذلة العبودية لغيره . والآيتان التاليتان جمل معترضة ذكرها الله تعالى في طيات مواعظ لقمان ، لكن هذا الاعتراض لا يعني عدم الاتصال وارتباط ، بل يعني الصلة الواضحة لكلام الله عز وجل بكلام لقمان ، لأن في هاتين الآيتين بحثا عن نعمة وجود الوالدين ومشاقهما وخدماتهما وحقوقهما ، وجعل شكر الوالدين في درجة شكر الله . إضافة إلى أنهما تعتبران تأكيدا على كون مواعظ لقمان لابنه خالصة ، لأن الوالدين مع هذه العلاقة القوية وخلوص النية لا يمكن أن يذكرا في مواعظهما إلا ما فيه خير وصلاح الولد ، فتقول أولا : ووصينا الإنسان بوالديه وعندئذ تشير إلى جهود ومتاعب الام العظيمة ، فتقول : حملته أمه وهنا على وهن ( 2 ) . وهذه المسألة قد ثبتت من الناحية العلمية ، إذ أوضحت التجارب أن الأمهات في فترة الحمل يصبن بالضعف والوهن ، لأنهن يصرفن خلاصة وجودهن في تغذية وتنمية الجنين ، ويقدمن له من موادهن الحياتية أفضلها ، ولذلك فإن الأمهات أثناء فترة الحمل يبتلين بنقص أنواع الفيتامينات وفي حالة عدم تعويض هذا النقص فسيؤدي إلى آلام ومتاعب كثيرة . وهذا الأمر يستمر حتى في فترة الرضاعة ، لأن اللبن عصارة وجود الام ، ولهذا تضيف بعد ذلك فترة رضاعه سنتان وفصاله في عامين كما أشير إلى ذلك في

--> 1 - إن كلا من ( أن ) و " اللام " ، وكون الجملة اسمية من أدوات التأكيد . 2 - إن جملة ( وهنا على وهن ) يمكن أن تكون حالا للام بتقدير كلمة " ذات " ، فكان تقديرها ( حملته أمه ذات وهن على وهن ) . واحتمل أيضا أن تكون مفعولا مطلقا لفعل مقدر من مادة ( وهن ) فكان تقديره : ( تهن وهنا على وهن ) .