الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
299
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
نوح حيث تقول : وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا . " السراج " في الأصل يعني المصباح الذي يضاء سابقا بواسطة الفتيلة والزيت ، وبواسطة الطاقة الكهربائية وأمثالها في العصر الحاضر ، فينبعث ضياؤه ونوره ، إلا أنه اطلق - على قول الراغب في مفرداته - على كل مصدر للنور فيما بعد ، وإطلاقه على الشمس من أجل أن نورها ينبع من داخلها ، ولا تكتسب نورها من مصدر آخر كالقمر . إن وجود النبي ( صلى الله عليه وآله ) كالشمس المنيرة التي تزيح ظلمات الجهل والشرك والكفر عن سماء روح البشر ، لكن كما لا ينتفع العمي بنور الشمس ، وكما تخفي الخفافيش أنفسها عنه حيث لا طاقة لعيونها برؤية هذا النور ، فإن عمي القلوب العنودين المتعصبين لم يستفيدوا ولن يستفيدوا من هذا النور مطلقا ، وكان أبو جهل وأمثاله يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا صوت قرأنه ونغمته . إن الظلام يبعث على الخوف والوحشة دائما ، والنور يبعث الاطمئنان والراحة ، فالسراق واللصوص يستغلون ظلام الليل للسطو على الدور ونهب ما يقدرون عليه ، والحيوانات المفترسة تخرج من حجورها في ظلمة الليل غالبا . الظلام يسبب الفرقة ، والنور يسبب الاجتماع ، ولذلك فإننا إذا أسرجنا سراجا في ليلة مظلمة فستجتمع حوله أنواع الحشرات في فترة قصيرة . إن النور والضياء أساس نمو الأشجار ، ونضج الفواكه والأثمار ، والخلاصة : كل نشاطات الحياة ، وتشبيه وجود النبي ( صلى الله عليه وآله ) بمصدر للنور يبعث على تداعي كل هذه المفاهيم في الذهن . إن وجود النبي ( صلى الله عليه وآله ) أساس الهدوء والاطمئنان ، وفرار لصوص الدين والإيمان ، وهرب الذئاب الضارية الظالمة لمجتمعاتها ، ويوجب هدوء الخاطر ، ونمو روح الإيمان والأخلاق ، والخلاصة : أساس الحياة والحركة ، وتأريخ حياته شاهد حي على هذا الموضوع .