الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
263
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وأساسا فان مخالفة السنن والأعراف ، واقتلاع الآداب والعادات الخرافية وغير الإنسانية يقترن عادة بالضجيج والغوغاء والصخب ، وينبغي أن لا يهتم الأنبياء بهذا الضجيج والصخب مطلقا ، ولذلك تعقب الجملة التالية فتقول : سنة الله في الذين خلوا من قبل . فلست الوحيد المبتلى بهذه المشكلة ، بل إن الأنبياء جميعا كانوا يعانون هذه المصاعب عند مخالفتهم سنن مجتمعاتهم ، وعند سعيهم لاجتثاث أصول الأعراف الفاسدة منها . ولم تكن المشكلة الكبرى منحصرة في محاربة هاتين السنتين الجاهليتين ، بل إن هذا الزواج لما كان مرتبطا بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) فإنه يمكن أن يعطي الأعداء حربة أخرى ليعيبوا على النبي ( صلى الله عليه وآله ) فعله ، ويطعنوا في دينه ، وسيأتي تفصيل ذلك . ويقول الله سبحانه في نهاية الآية تثبيتا لاتباع الحزم في مثل هذه المسائل الأساسية : وكان أمر الله قدرا مقدورا . إن التعبير ب قدرا مقدورا قد يكون إشارة إلى كون الأمر الإلهي حتميا ، ويمكن أن يكون دالا على رعاية الحكمة والمصلحة فيه ، إلا أن الأنسب في مورد الآية أن يراد منه كلا المعنيين ، أي أن أمر الله تعالى يصدر على أساس الحساب الدقيق والمصلحة ، وكذلك لابد من تنفيذه بدون استفهام أو تلكؤ . والطريف أننا نقرأ في التواريخ أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أولم للناس وليمة عامة لم يكن لها نظير فيما سبق اقترانه بزوجاته ( 1 ) ، فكأنه أراد بهذا العمل أن يبين للناس أنه غير قلق ولا خائف من السنن الخرافية التي كانت سائدة في تلك البيئة ، بل إنه يفتخر بتنفيذ هذا الأمر الإلهي ، إضافة إلى أنه كان يطمح إلى أن يصل صوت إلغاء هذه السنة الجاهلية إلى آذان جميع من في جزيرة العرب عن هذا الطريق . * * *
--> 1 - يروي المفسر الكبير المرحوم الطبرسي في مجمع البيان : فتزوجها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . . . وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها ، ذبح شاة ، وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار . مجمع البيان ، ج 8 ، ص 361 .